كان شراء الأثاث يعني كثير من عمليات البحث والتسوق، تبدأ باختيار قطعة جاهزة ثم انتظار نقلها إلى المنزل، مع تحمّل تكاليف الشحن والتخزين والتركيب التي تدخل في سعرها النهائي. لكن شركة سويدية قررت التعامل مع المشكلة من زاوية مختلفة: ماذا لو أمكن تصميم الأثاث بحيث يُعبّأ في صناديق مسطحة، وينقل بكفاءة أكبر، ثم يجمعه العميل بنفسه؟ تحولت هذه الفكرة إلى إحدى السمات التي ميّزت أيكيا، وأسهمت في بناء نموذج أعمال غيّر طريقة تصميم الأثاث وتخزينه وبيعه.
وتكشف النتائج الحديثة حجم الشركة التي نشأت من تلك الفكرة؛ إذ بلغت مبيعات التجزئة العالمية لأيكيا 44.6 مليار يورو في السنة المالية 2025، رغم تراجعها بنسبة 1% مقارنة بالسنة السابقة. وفي المقابل، ارتفعت كميات المنتجات المباعة وعدد العملاء بنحو 3%،. وتوضح هذه الأرقام أن نجاح أيكيا لا يعتمد على بيع المزيد من الأثاث فحسب، بل على موازنة السعر والتصميم والتكلفة وحجم المبيعات.
من متجر صغير في السويد إلى علامة عالمية
بدأت قصة أيكيا عام 1943، عندما أسس إنغفار كامبراد مشروعًا تجاريًا في السويد وهو في السابعة عشرة من عمره، وكان يبيع في بداياته منتجات متنوعة عبر الطلبات البريدية، قبل أن يتجه تدريجيًا إلى الأثاث. وفي عام 1958، افتتحت الشركة أول متجر لها في مدينة إلمهولت السويدية، ليصبح عرض الأثاث وتجربة المنتجات في مكان واحد جزءًا من هويتها التجارية.
لم يكن هدف كامبراد بناء علامة فاخرة تستهدف فئة محدودة من المشترين، بل تقديم أثاث عملي وجيد التصميم بأسعار يستطيع عدد أكبر من الناس تحمّلها. ومن هنا تشكّلت الفكرة الأساسية التي قامت عليها أيكيا: الوصول إلى عدد كبير من العملاء عبر الجمع بين التصميم الوظيفي والإنتاج واسع النطاق وخفض التكاليف.
فكرة الأثاث المسطح
كانت مشكلة نقل الأثاث من أبرز التحديات التي واجهت الشركة في بداياتها؛ فالطاولات والخزائن والكراسي المجمعة مسبقًا تشغل مساحة كبيرة أثناء التخزين والنقل، كما أن القطع الضخمة أكثر عرضة للتلف خلال الشحن. وتروي مواد متحف أيكيا أن فكرة فك أرجل طاولة لتسهيل نقلها ساعدت في تطوير مفهوم التغليف المسطح الذي أصبح لاحقًا عنصرًا محوريًا في نموذج الشركة.
بدل نقل قطعة أثاث مكتملة، أصبح بالإمكان وضع مكوناتها في عبوة مسطحة تشغل مساحة أقل، ما يسمح بنقل عدد أكبر من المنتجات في الشاحنة نفسها، وتخزينها بكفاءة أعلى، وتقليل بعض تكاليف المناولة والشحن. كما أصبح العميل قادرًا على أخذ المنتج إلى المنزل وتجميعه بنفسه، بدل الاعتماد دائمًا على خدمة نقل وتركيب تقليدية.
لم تكن أيكيا أول من عرف فكرة التغليف المسطح، لكنها طورتها ودمجتها في طريقة تصميم منتجاتها وتخطيط سلاسل الإمداد. والأهم أن هذا القرار لم يبقَ تعديلًا في العبوة؛ فقد أثر في تصميم الأثاث نفسه، إذ بات على المصممين التفكير منذ البداية في كيفية تفكيك المنتج وتغليفه ونقله بأقل تكلفة ممكنة، من دون التضحية بوظيفته الأساسية.
العميل جزءًا من نموذج أعمال أيكيا؟
من أبرز ملامح تجربة أيكيا أن العميل يشارك في بعض المهام التي كانت تؤديها متاجر الأثاث التقليدية، مثل اختيار المنتج من المستودع، ونقله إلى المنزل، وتجميعه وفق التعليمات المرفقة. وقد ساعد هذا النموذج على تقليل الاعتماد على بعض خدمات التوصيل والتركيب، لكنه نقل في الوقت نفسه جزءًا من الجهد إلى المشتري.
ولم يكن ذلك مجرد توفير في العمالة؛ بل أصبح جزءًا من المعادلة التي تربط السعر بتجربة الشراء. يستطيع العميل الحصول على أثاث بتصميم حديث وسعر تنافسي، مقابل استعداده لبذل وقت وجهد إضافيين. ومع ذلك، لم تترك أيكيا جميع العملاء أمام الخيار نفسه، بل أتاحت خدمات مثل التوصيل والتركيب في أسواق مختلفة، وفق الخدمة المتاحة محليًا.
استراتيجية السعر المنخفض
ارتبطت سياسة السعر المنخفض بطريقة تصميم المنتجات وشرائها وتصنيعها وتعبئتها وتوزيعها. فالاعتماد على كميات كبيرة من المنتجات، وتبسيط التصميم، وتحسين استغلال المساحات في النقل والتخزين، كلها عناصر تساعد على خفض التكلفة الإجمالية. وتؤكد أيكيا أن فلسفتها تقوم على تقديم منتجات عملية وجيدة التصميم بأسعار منخفضة بما يكفي لتكون في متناول أكبر عدد ممكن من الناس.
لكن الحفاظ على هذه المعادلة يصبح أصعب عندما ترتفع تكاليف المواد الخام والطاقة والنقل، أو تتراجع قدرة المستهلكين على الإنفاق. ولهذا أعلنت أيكيا في أكتوبر 2025 أن خفض الأسعار بنحو 10% على مدى عامين أسهم في زيادة حجم المبيعات وعدد العملاء بنحو 3% في 2025
من المتاجر التقليدية إلى التجارة الإلكترونية
لم يعد الاعتماد على المتاجر الكبيرة وحدها كافيًا للوصول إلى العملاء خصوصا مع تغير سلوك المستهلكين، لذلك وسعت أيكيا حضورها الرقمي، وطورت خدمات الطلب عبر الإنترنت، إلى جانب افتتاح مواقع بيع أصغر في بعض الأسواق لتسهيل الوصول إلى منتجاتها وخدمات التخطيط والتصميم.
وفي 2025، شكّلت المبيعات عبر الإنترنت 28% من إجمالي مبيعات أيكيا، بحسب الشركة، كما افتتحت 66 موقع بيع جديدًا حول العالم، شملت متاجر كاملة ومواقع أصغر. وتوضح هذه الخطوات أن التحول الرقمي لم يستبدل المتاجر التقليدية بالكامل، بل أصبح جزءًا من نموذج متعدد القنوات يتيح للعميل اكتشاف المنتجات وشرائها واستلامها بطرق مختلفة.
هل تستطيع أيكيا الحفاظ على معادلتها في المستقبل؟
تواجه أيكيا اليوم اختبارًا يتجاوز بيع الأثاث بأسعار معقولة؛ فالشركة مطالبة بتحقيق التوازن بين نمو المبيعات، والقدرة الشرائية للمستهلكين، والاستدامة البيئية. ويستهلك تصنيع الأثاث كميات كبيرة من المواد الخام، خصوصًا الأخشاب، كما أن نموذج الإنتاج واسع النطاق يضع الشركة أمام تحديات تتعلق بإدارة الموارد وتقليل النفايات وإطالة عمر المنتجات.
وقد تناولت وكالة رويترز في يونيو 2024 مساعي أيكيا لتطوير نموذج أكثر اعتمادًا على إعادة الاستخدام والتدوير، بما في ذلك برامج إعادة شراء الأثاث وإعادة بيعه وتوفير قطع الغيار. وتكشف هذه المبادرات عن محاولة لتوسيع العلاقة مع المنتج بعد بيعه أول مرة، بدل أن تنتهي دورة الأعمال بمجرد مغادرته المتجر. غير أن الانتقال إلى اقتصاد دائري واسع النطاق يظل تحديًا يتطلب تغييرات في المواد والتصميم وسلاسل التوريد وسلوك المستهلكين.
درس قصة أيكيا
توضح قصة أيكيا أن تغيير صناعة كاملة لا يتطلب دائمًا اختراع منتج لم يسبق له مثيل؛ فقد ينشأ التحول من إعادة تصميم طريقة إنتاج المنتج وتغليفه ونقله وبيعه. لقد جمعت الشركة بين الأثاث الوظيفي والتصميم البسيط والتغليف المسطح ومشاركة العميل في التجميع،
مراجع المقال
- نتائج السنة المالية 2025: المبيعات والأسعار وحركة العملاء. – IKEA Global
- رويترز: تخفض الأسعار وتواجه تحديات ارتفاع تكاليف المعيشة، أكتوبر 2025.
- كيف طورت أيكيا التغليف المسطح IKEA Museum —
