برزت شركة برق المالية «برق» خلال فترة قصيرة بصورة لافتة؛ ففي سبتمبر 2026 أعلنت الشركة إغلاق جولة استثمارية من الفئة Series A بقيمة 329.5 مليون دولار، رفعت تقييمها إلى 1.85 مليار دولار، بالتزامن مع تجاوز عدد مستخدميها 15 مليون مستخدم خلال عامين.
لكن الأرقام وحدها لا تروي قصة برق كاملة. خلف هذا النمو السريع توجد قصة شركة دخلت سوقًا كان يشهد تحولًا عميقًا في سلوك المستهلك، واستفادت من توسع المدفوعات الإلكترونية في المملكة، ثم حاولت بناء منصة مالية تتجاوز فكرة المحفظة التقليدية.
البداية
تعود قصة برق إلى عام 2023، عندما تأسست الشركة بقيادة أحمد العنزي، الذي يتولى منصب الرئيس التنفيذي والمؤسس. وتأتي خلفيته المهنية من قطاع الخدمات المالية والمدفوعات الرقمية، وهو ما منح المشروع منذ بدايته خبرة مرتبطة بالسوق الذي يستهدفه.
وفي الربع الأول من عام 2024، ظهر اسم برق ضمن الشركات التي رخص لها البنك المركزي السعودي لمزاولة نشاط خدمات المدفوعات عبر المحفظة الإلكترونية، في خطوة وضعت الشركة داخل الإطار التنظيمي الرسمي للقطاع المالي السعودي.
لماذا جاء توقيت برق مناسبًا؟
لفهم قصة برق، من المفيد النظر إلى السوق الذي دخلته الشركة. فبحسب البنك المركزي السعودي، بلغت حصة المدفوعات الإلكترونية 85% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد في المملكة خلال 2025، مقارنة بـ79% في 2024، بينما وصلت عمليات الدفع الإلكترونية المنفذة عبر أنظمة المدفوعات الوطنية إلى نحو 14.6 مليار عملية خلال 2025، مقابل 12.6 مليار عملية في العام السابق.
هذه الأرقام توضح البيئة التي ظهرت فيها الشركة؛ فالمستهلك السعودي أصبح أكثر اعتيادًا على الدفع والتحويل وإدارة جزء متزايد من معاملاته المالية عبر القنوات الرقمية. وهنا جاءت الفرصة: بدل أن يكون التطبيق مجرد محفظة لتحويل الأموال، بدأت برق في بناء مجموعة من الخدمات التي تجعل التطبيق حاضرًا في تفاصيل مالية متعددة من حياة المستخدم.
من المحفظة إلى منظومة مالية
تعرض برق عبر منصتها مجموعة من الخدمات تشمل الحساب الشخصي، والتحويلات الدولية، والبطاقات، والمدفوعات، إلى جانب خدمات أخرى مثل حسابات الأبناء والعروض والمكافآت والمتجر، كما تقدم حلولًا موجهة للأعمال تشمل إدارة المدفوعات والحسابات والإنفاق.
هذه النقلة مهمة في قصة الشركة؛ لأن المنافسة في التقنية المالية لا تتعلق فقط بمن يقدم خدمة تحويل الأموال، وإنما بمن يستطيع أن يجعل المستخدم يعود إلى المنصة بصورة متكررة لإنجاز مجموعة أكبر من احتياجاته المالية.
عام واحد.. وأرقام تكشف سرعة النمو
في يوليو 2025، وبعد عامها التشغيلي الأول، أعلنت برق وصول عدد مستخدميها إلى أكثر من 7 ملايين مستخدم من 150 جنسية، مع إصدار أكثر من 6.5 مليون بطاقة دفع رقمية، وتنفيذ أكثر من 500 مليون عملية بقيمة تجاوزت 73 مليار ريال.
هذه الأرقام كانت بمثابة أول مؤشر واضح على سرعة انتشار الشركة، لكنها في الوقت نفسه تكشف طبيعة السوق الذي تستهدفه برق؛ فقاعدة المستخدمين لم تقتصر على شريحة واحدة، بل ضمت جنسيات متعددة تعيش وتعمل داخل المملكة وتحتاج إلى خدمات الدفع والتحويل والاستخدام اليومي للأموال.
من 7 ملايين إلى أكثر من 15 مليون مستخدم
بعد عام إضافي، تغير حجم الشركة بصورة كبيرة. ففي سبتمبر 2026 أعلنت برق أن عدد مستخدميها تجاوز 15 مليون مستخدم خلال عامين من أكثر من 210 جنسيات، بينما تجاوزت قيمة الأموال المتداولة عبر المنصة 440 مليار ريال.
وإذا قورنت هذه الأرقام بما أعلنته الشركة بعد عامها الأول، فإن القصة تبدو وكأنها انتقلت من مرحلة إثبات قدرة المنتج على جذب المستخدمين إلى مرحلة بناء منصة مالية واسعة النطاق.
2026 عندما أصبحت برق “اليونيكورن”
جاءت المحطة الأبرز في سبتمبر 2026 عندما أعلنت برق إغلاق جولة Series A بقيمة 329.5 مليون دولار، بمشاركة نون للاستثمارات، وبنك صحار الدولي، وصندوق M20، وبلغ تقييم الشركة بعد الجولة 1.85 مليار دولار.
وبهذا التقييم دخلت برق فئة الشركات الخاصة التي تتجاوز قيمتها مليار دولار، والمعروفة باسم شركات اليونيكورن في السعودية. كما أشارت تقارير اقتصادية إلى أن الجولة كانت الأكبر من الفئة «A» لشركة تقنية مالية في السعودية.
واللافت هنا أن الشركة لم تصل إلى هذا التقييم بعد سنوات طويلة من التشغيل، بل خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، وهو ما يجعل قصتها واحدة من الحالات التي تستحق المتابعة لفهم سرعة نمو قطاع التقنية المالية في المملكة.
لماذا تستحق قصة برق المتابعة؟
قصة برق لا تكمن فقط في حجم الجولة الاستثمارية أو عدد مستخدمي التطبيق، وإنما في توقيتها أيضًا. فقد نشأت الشركة في مرحلة كانت فيها المملكة تتحول بسرعة نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على المدفوعات الرقمية، بينما كان المستهلك يبحث عن خدمات مالية أسرع وأسهل وأكثر ارتباطًا بالهاتف.
ومن ثم يمكن النظر إلى تجربة برق باعتبارها قصة عن تلاقي ثلاثة عوامل: التنظيم، والتحول في سلوك المستهلك، ورأس المال الذي يبحث عن فرص جديدة في التقنية المالية.
قصة برق.. لم تنتهِ بعد
بدأت القصة من شركة تقنية مالية ومحفظة رقمية، ثم تحولت خلال عامين إلى منصة تضم ملايين المستخدمين، قبل أن تصل إلى تقييم 1.85 مليار دولار بعد جولة تمويلية كبيرة. وبين هذه المحطات، تكشف قصة برق عن حجم التغير الذي يشهده قطاع المدفوعات في السعودية، وعن المساحة التي أصبحت متاحة أمام شركات التقنية المالية لبناء نماذج أعمال جديدة.
لكن الأهم أن قصة برق، بخلاف قصص النجاح المكتملة، ما زالت في بدايتها؛ فبعد التمويل الكبير والتقييم الملياري، يبدأ فصل مختلف: كيف تتحول السرعة إلى استدامة، وكيف تنتقل منصة نشأت في السعودية إلى أسواق أوسع، وكيف تحافظ على الثقة عندما يصبح حجمها أكبر؟ هذه هي القصة التي تستحق المتابعة في السنوات المقبلة.
المراجع:
- تقرير حصة المدفوعات الإلكترونية في 2025- البنك المركزي السعودي
- برنامج تطوير القطاع المالي – النشرة الربعية للربع الأول 2024، وترخيص شركة براق:
- جولة التمويل الجديدة وتقييم شركة برق – صحيفة الاقتصادية
- الموقع الرسمي لشركة برق – التعريف والخدمات
