بدأت أزمة 2008 في القطاع العقاري والمصرفي ولكن سرعان ما تحولت خلال أشهر إلى صدمة هزّت الأسواق والاقتصادات في أنحاء العالم. بدأت من تراكم مخاطر داخل سوق الرهن العقاري الأميركي، ثم امتدت إلى البنوك والأسواق المالية، قبل أن تصل آثارها إلى الشركات والوظائف والتجارة العالمية.
تكشف هذه القصة كيف يمكن لمخاطر تبدو محدودة في قطاع واحد أن تتحول، عندما تتشابك داخل النظام المالي، إلى أزمة اقتصادية عالمية
.
كيف بدأت أزمة 2008؟
شهدت الولايات المتحدة توسعًا كبيرًا في بناء المساكن وأسعارها والائتمان العقاري خلال سنوات ما قبل الأزمة،. وأسهمت أسعار الفائدة المنخفضة وتوقعات استمرار ارتفاع أسعار المنازل في زيادة الطلب، بينما توسع الإقراض للمقترضين ذوي الجدارة الائتمانية المنخفضة، فيما يعرف بقروض Subprime Mortgages وتشير تحليلات الاحتياطي الفيدرالي إلى أن تراجع سوق الإسكان كشف عن ممارسات إقراض ضعيفة، إلى جانب ارتباط سوق الرهن العقاري بمنظومة أوسع من التمويل.
لم تكن المشكلة في وجود القروض عالية المخاطر وحدها، بل في الطريقة التي أصبحت بها هذه القروض جزءًا من منتجات مالية معقدة يتم تداولها بين المؤسسات. فقد جرى تجميع عدد كبير من القروض العقارية وتحويلها إلى أوراق مالية، ثم بيعها لمستثمرين ومؤسسات مالية مختلفة. وبذلك، لم تعد المخاطر محصورة في البنك الذي منح القرض للمشتري، بل أصبحت موزعة عبر النظام المالي.
انقلاب سوق العقارات
مع تراجع أسعار المنازل وارتفاع حالات التعثر في سداد القروض، بدأت قيمة الأوراق المالية المرتبطة بالرهن العقاري في الانخفاض، وأصبح من الصعب على المؤسسات المالية معرفة حجم الخسائر التي قد تواجهها هي أو المؤسسات الأخرى.
وبدأت الثقة، وهي أحد أهم مكونات النظام المالي، في التراجع.
بحلول 2007 ظهرت علامات الأزمة بصورة أوضح، ثم تصاعدت خلال 2008. وفي مارس من ذلك العام، أصبح Bear Stearns على وشك الانهيار قبل الاستحواذ عليه من جانب JPMorgan Chase بمساعدة الاحتياطي الفيدرالي، ثم وُضعت Fannie Mae وFreddie Mac تحت الوصاية الحكومية في سبتمبر.
لحظة الانهيار.. افلاس بنك Lehman Brothers
في 15 سبتمبر 2008، تقدم بنك Lehman Brothers بطلب الحماية من الإفلاس بعد فشل محاولات إيجاد مشترٍ له. وفي اليوم التالي، اضطر الاحتياطي الفيدرالي إلى تقديم دعم واسع لشركة التأمين العملاقة AIG التي كانت تواجه ضغوطًا شديدة.
كان انهيار Lehman أكثر من سقوط مؤسسة مالية كبيرة؛ فقد أدى إلى تفاقم أزمة الثقة في الأسواق. وتعرضت صناديق أسواق المال لسحوبات كبيرة، كما تعرض سوق التمويل قصير الأجل للشركات لضغوط حادة، وتراجعت قدرة المؤسسات على الحصول على التمويل.
كيف وصلت الأزمة إلى العالم؟
لم تكن الولايات المتحدة اقتصادًا منعزلًا، ولذلك لم تبقَ الأزمة داخل حدودها. فمع تراجع الإقراض والاستثمار وثقة المستهلكين والشركات، انخفض الطلب على السلع والخدمات، وتراجعت التجارة والاستثمارات العالمية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الناتج العالمي انكمش بأكثر من 6% على أساس سنوي في الربعين الرابع من 2008 والأول من 2009، بينما أدى تراجع النشاط الاقتصادي واضطراب الأسواق المالية إلى انتقال الأزمة عبر التجارة والائتمان وثقة المستثمرين. وأشار البنك الدولي إلى أن النشاط الاقتصادي في الاقتصادات المرتفعة الدخل والاقتصادات النامية تراجع بصورة حادة في نهاية 2008 وبداية 2009، مع تشدد شروط الإقراض وانخفاض الاستثمار والتجارة والإنتاج.
لماذا كانت الأزمة بهذه القوة؟
يمكن فهم قوة أزمة 2008 من خلال مجموعة عوامل اجتمعت في الوقت نفسه. فقد ارتبطت سوق العقارات بالنظام المصرفي، وارتبطت البنوك بأسواق التوريق والتمويل قصير الأجل، بينما أصبحت مؤسسات مالية كبيرة تعتمد بدرجات مرتفعة على الائتمان والرافعة المالية.
كما ساهم نظام الظل المصرفي Shadow Banking في زيادة تعقيد المشهد، إذ كانت بعض الأنشطة المالية المهمة تتم خارج النموذج المصرفي التقليدي وبدرجة أقل من الرقابة الموحدة، وفق تحليل منشور من الاحتياطي الفيدرالي.
وعندما بدأت أسعار الأصول في الانخفاض، لم تعد المشكلة مجرد خسائر في استثمارات معينة، بل أصبحت أزمة سيولة وثقة وملاءة في أجزاء مختلفة من النظام المالي.
ماذا فعلت الحكومات والبنوك المركزية؟
تحركت الحكومات والبنوك المركزية بصورة استثنائية لتوفير السيولة ودعم المؤسسات والأسواق ومنع تحول الأزمة المالية إلى انهيار اقتصادي أوسع .وخفض البنك الاحتياطي الفيدرالي معدل الفائدة المستهدف تدريجيًا حتى وصل إلى نطاق 0–0.25% في نهاية 2008، كما أطلق برامج إقراض وشراء أصول لدعم الأسواق وتحسين ظروف الائتمان.
بعد الأزمة، تم تنفيذ إصلاحات تنظيمية واسعة في الولايات المتحدة، ، كان من أبرزها قانون Dodd-Frank لعام 2010، الذي وضع قواعد جديدة لرأس المال وإدارة المخاطر والرقابة على المؤسسات ذات الأهمية النظامية.
الخلاصة
تركت الأزمة أثرًا طويلًا على القطاع المصرفي، والتنظيم المالي، والسياسات النقدية، وغيرت نظرة المستثمرين إلى المخاطر. وتوضح التجربة أن الأزمة المالية نادرًا ما تكون نتيجة عامل منفرد؛ فقد يبدأ الخلل في سوق محددة، لكنه يصبح أكثر خطورة عندما يرتبط بالديون، والمؤسسات المالية، والأسواق، وثقة المستثمرين، ثم ينتقل إلى الاقتصاد الحقيقي. ولهذا أصبحت أزمة 2008 واحدة من أهم القصص الاقتصادية التي تستحق الدراسة، ليس بسبب حجم الخسائر التي أحدثتها فقط،
