كانت الألواح الشمسية قبل عقود قليلة، تبدو أقرب إلى تقنية متخصصة منها إلى مصدر رئيسي للطاقة، بينما أصبحت اليوم واحدة من أسرع تقنيات توليد الكهرباء نموًا في العالم. ففي عام 2025 أضيف أكثر من 600 جيجاواط من الطاقة الشمسية الكهروضوئية عالميًا، ليرتفع إجمالي قدرتها المركبة إلى نحو 2.8 تيراواط، وفق وكالة الطاقة الدولية.
هذه الأرقام تلخص رحلة طويلة انتقلت فيها الطاقة الشمسية من المختبرات والأقمار الصناعية والتطبيقات المحدودة إلى صناعة عالمية ضخمة، تقف وراءها شركات ومصانع وسلاسل إمداد واستثمارات بمليارات الدولارات.
عندما تحولت أشعة الشمس إلى كهرباء
الفكرة الأساسية وراء الطاقة الشمسية الكهروضوئية بسيطة في ظاهرها: تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء باستخدام خلايا مصنوعة من مواد شبه موصلة، وعلى رأسها السيليكون. لكن الوصول إلى تقنية يمكن استخدامها عمليًا احتاج إلى سنوات من البحث والتجارب.
كانت إحدى المحطات المهمة في منتصف خمسينيات القرن العشرين، عندما تمكن باحثو Bell Laboratories في الولايات المتحدة من تطوير خلية شمسية كهروضوئية قابلة للاستخدام بكفاءة بلغت نحو 6%، قبل أن تبدأ الكفاءة في التحسن خلال السنوات التالية. وبحلول 1959 طورت شركة Hoffman Electronics خلية شمسية بكفاءة 10% كانت متاحة تجاريًا.
من الأرض إلى الفضاء
كان إطلاق الأقمار الصناعية أحد أهم الاختبارات المبكرة للتقنية. ففي عام 1962 أُطلق القمر الصناعي Telstar مزودًا بخلايا شمسية قادرة على توليد الكهرباء، وأصبحت الخلايا الكهروضوئية خلال الستينيات مصدرًا مهمًا للطاقة في المركبات الفضائية.
كان الفضاء مكانًا مناسبًا لهذه التقنية، لأن توفير الكهرباء في مدار الأرض لا يشبه توفيرها لمدينة أو مصنع؛ فالشمس متاحة، ونقل الوقود إلى القمر الصناعي مكلف ومعقد، ولذلك أصبح وزن الألواح الشمسية وتكلفتها مقبولين مقارنة بالبدائل.
أزمة النفط تفتح الباب أمام الطاقة الشمسية
دفعت أزمات الطاقة والارتفاع الحاد في أسعار النفط في سبعينيات القرن الماضي، عددًا من الحكومات والمؤسسات البحثية إلى زيادة الاهتمام بمصادر بديلة للطاقة، ومن بينها الطاقة الشمسية.
بدأت التطبيقات الأرضية في الظهور تدريجيًا، خصوصًا في المواقع النائية التي يصعب ربطها بشبكات الكهرباء، مثل بعض المنارات ومحطات السكك الحديدية والمواقع التي تحتاج إلى طاقة مستقلة. ومع اتساع استخدام التقنية، بدأت الشركات والباحثون في تحسين عمليات التصنيع ورفع الكفاءة وخفض التكلفة.
وهنا بدأت واحدة من أهم حلقات القصة الاقتصادية للطاقة الشمسية: كلما زاد الإنتاج، زادت الخبرة، وتحسنت عمليات التصنيع، وانخفضت التكلفة، فأصبح استخدام التقنية أكثر جاذبية، وهو ما أدى بدوره إلى زيادة الطلب والإنتاج.
كيف أصبحت الألواح الشمسية أرخص؟
أظهرت بيانات تاريخية أن أسعار الألواح الشمسية تراجعت بصورة كبيرة مع نمو القدرة المركبة عالميًا، إذ انخفض سعر الألواح بنحو 20% تقريبًا مع كل تضاعف في القدرة الشمسية التراكمية على مدى عقود. ويُعرف هذا النمط ضمن ما يسمى منحنيات التعلم.
هذه العلاقة غيرت اقتصاديات الصناعة بالكامل. فكل مصنع جديد وخط إنتاج أكبر وتجربة تشغيل إضافية ساهمت في تحسين المعرفة الصناعية، ومع زيادة المنافسة وتوسع التصنيع أصبحت الخلايا والألواح أقل تكلفة وأكثر قدرة على المنافسة.
الصين تغيّر حجم الصناعة
دخلت صناعة الطاقة الشمسية مع بداية القرن الحادي والعشرين مرحلة توسع مختلفة، خصوصًا مع نمو التصنيع في الصين. أدى الاستثمار الضخم في سلاسل الإنتاج إلى زيادة كبيرة في تصنيع الخلايا والوحدات الشمسية، ثم ساعد انخفاض الأسعار على انتشارها في عدد أكبر من الأسواق.
وفي عام 2025، شكلت الصين الجزء الأكبر من التوسع العالمي في الطاقة المتجددة، بينما وصلت إضافات الطاقة الشمسية الكهروضوئية عالميًا إلى أكثر من 510 جيجاواط وفق بيانات “آيرينا”. ومع اتساع الصناعة، لم تعد الطاقة الشمسية قطاعًا هامشيًا، بل أصبحت مرتبطة بصناعات أخرى تشمل أشباه الموصلات، وتصنيع الزجاج والألمنيوم، والبطاريات، والمحولات، والبنية التحتية للشبكات، والتمويل والمشروعات الهندسية.
من الألواح إلى صناعة متكاملة
التحول الاقتصادي للطاقة الشمسية لم يتوقف عند تصنيع الألواح. فقد ظهرت حولها منظومة واسعة من الشركات والمشروعات، تبدأ من تطوير الخلايا والمواد الخام، وتمتد إلى تصميم محطات الطاقة، وتركيب الألواح، وإدارة الشبكات، وتخزين الكهرباء، وتمويل المشروعات وصيانتها.
بلغت القدرة الشمسية الكهروضوئية المركبة عالميًا نحو 1,865 جيجاواط وفق «آيرينا» في نهاية 2024، ، بعد إضافة أكثر من 451 جيجاواط خلال عام واحد فقط.
وفي 2025 تسارع النمو أكثر؛ إذ قدرت وكالة الطاقة الدولية أن الإضافات السنوية للطاقة الشمسية الكهروضوئية تجاوزت 600 جيجاواط، لتصبح التقنية صاحبة أكبر قدرة مركبة بين تقنيات الطاقة عالميًا. هذه الأرقام تعكس تغيرًا جوهريًا في موقع الطاقة الشمسية داخل الاقتصاد العالمي حيث أصبحت خيارًا استثماريًا وصناعيًا واسع النطاق.
لماذا نجحت الطاقة الشمسية اقتصاديًا؟
ساهم التقدم العلمي في رفع كفاءة الخلايا، وأدى التوسع الصناعي لخفض تكاليف التصنيع، وزيادة الإنتاج خلقت منحنيات تعلم جديدة، بينما ساهمت السياسات الحكومية والاستثمارات في تسريع بناء الأسواق.
كما أن طبيعة الطاقة الشمسية نفسها تمنحها ميزة مهمة؛ فمحطات الطاقة الشمسية لا تحتاج إلى شراء وقود لتشغيل الألواح، لأن مصدر الطاقة الأساسي، وهو ضوء الشمس، متاح مجانًا، بينما تتركز التكاليف في المعدات والبنية التحتية والتشغيل.
من اختراع إلى صناعة عالمية
قصة الطاقة الشمسية تكشف شيئًا يتجاوز قطاع الطاقة نفسه: الابتكار لا يصبح صناعة لمجرد اختراعه، وإنما عندما تنجح الأسواق في تحويله إلى منتج قابل للتوسع والمنافسة.
بدأت الخلية الشمسية كتقنية علمية محدودة الاستخدام، ثم وجدت طريقها إلى الأقمار الصناعية، قبل أن تنتقل تدريجيًا إلى التطبيقات الأرضية، ثم إلى المنازل والمصانع ومحطات الطاقة الكبرى. ولهذا فإن قصة الطاقة الشمسية هي قصة كيف يمكن للتكنولوجيا والبحث العلمي والتصنيع والاستثمار أن تعمل معًا لتحويل فكرة تبدو محدودة إلى صناعة عالمية.
