قصص الشركات

كريم.. من تطبيق بسيط إلى شركة رائدة

بدأت كريم بفكرة تبدو بسيطة في عام 2012، إيجاد طريقة أكثر سهولة وموثوقية لحجز وسيلة نقل في منطقة كانت تعاني تفاوتًا واضحًا في جودة خدمات التنقل. وبعد أقل من سبع سنوات، أصبحت الشركة محور واحدة من أكبر صفقات التكنولوجيا في الشرق الأوسط، عندما أعلنت أوبر في 2019 اتفاقها للاستحواذ على أعمال كريم مقابل 3.1  مليار دولار.

لكن قيمة قصة كريم لا تكمن في رقم الصفقة وحده. فخلف ذلك الرقم قصة شركة بدأت من مشكلة محلية، ثم تعلمت كيف تبني نموذج أعمال قابلًا للتوسع في أسواق مختلفة، وتنافس لاعبًا عالميًا مثل أوبر، قبل أن تتحول من مجرد تطبيق لحجز السيارات إلى منصة تقدم خدمات متعددة.

كيف بدأت قصة كريم؟

تأسست كريم في دبي عام 2012 على يد مدثر شيخة وماغنوس أولسون، بهدف معالجة مشكلة عملية في المنطقة: صعوبة الوصول إلى وسائل نقل موثوقة. ووفقًا لما تذكره كريم، ترك المؤسسان وظائفهما للبدء في بناء الشركة، قبل أن ينضم عبدالله إلياس إلى المؤسسين في عام 2013.

لم تكن الفكرة في بدايتها مشروعًا ضخمًا لبناء “تطبيق شامل”، بل بدأت من خدمة حجز السيارات. وهذا التفصيل مهم لفهم مسار الشركة؛ لأن كريم لم تبدأ بمحاولة حل عشرات المشكلات في وقت واحد، وإنما بدأت من مشكلة محددة يمكن للعميل أن يدفع مقابل حلها.

كانت هذه البداية بمثابة نقطة الانطلاق لنموذج توسع يعتمد على التكنولوجيا لفهم احتياجات المدن والأسواق المحلية، بدل افتراض أن نموذجًا واحدًا يمكن تطبيقه بالطريقة نفسها في كل مكان.

من خدمة نقل إلى نموذج قابل للتوسع

مع توسع كريم، لم تعد القضية مجرد توفير سيارات يمكن طلبها عبر الهاتف. بدأت الشركة في بناء بنية تقنية وتشغيلية يمكن استخدامها في أكثر من سوق، وهو ما ساعدها على الانتقال من مدينة إلى أخرى ومن دولة إلى أخرى.

وتشير شركة كريم إلى أنها توسعت خلال عقدها الأول إلى 14  دولة، فيما تجاوز عدد العاملين لديها 12 ألف شخص في تلك المرحلة. كما تقول الشركة حاليًا إنها خدمت أكثر من  50 مليون عميل ووفرت مصادر دخل لأكثر من 2.5 مليون كابتن منذ تأسيسها.

لكن التوسع الجغرافي لم يكن العامل الوحيد في القصة. فالشركة بدأت تنظر إلى قاعدة المستخدمين والبنية التقنية التي بنتها باعتبارهما أصلًا يمكن تطويره إلى خدمات أخرى.

وهنا بدأت كريم تقترب من مفهوم التطبيق الشامل

المنافسة مع أوبر.. عندما أصبح المنافس مشتريًا

ربما كانت أكثر لحظات قصة كريم إثارة عندما انتقلت علاقتها بأوبر من المنافسة إلى الاستحواذ.

فقد كانت أوبر وكريم تتنافسان في أسواق الشرق الأوسط، قبل أن تعلن أوبر في مارس 2019 اتفاقًا للاستحواذ على أعمال كريم في مجال التنقل والتوصيل والمدفوعات في المنطقة مقابل  3.1 مليار دولار. ووفقًا لفوربس، تضمنت الصفقة 1.4 مليار دولار نقدًا و1.7 مليار دولار في صورة سندات قابلة للتحويل إلى أسهم أوبر.

وفي 2 يناير 2020، أعلنت أوبر إتمام الاستحواذ. وأصبحت كريم شركة تابعة مملوكة بالكامل لأوبر، مع استمرار العلامتين التجاريتين بشكل مستقل في المنطقة.

وهنا تكمن المفارقة التي تجعل قصة كريم جديرة بالسرد: الشركة التي دخلت السوق لمنافسة لاعب عالمي انتهت إلى أن تصبح جزءًا من ذلك اللاعب العالمي.

ماذا حدث بعد استحواذ أوبر على كريم؟

لم يكن الاستحواذ نهاية قصة كريم، بل تحولًا في مسارها.

ففي عام 2023، أعلنت مجموعة   e& (اتصالات الإمارات) استثمارًا بقيمة 400 مليون دولار في أعمال Careem Super App، مع حصولها على حصة 50.03% في هذا النشاط. وفي الوقت نفسه، تم فصل نشاط خدمات النقل ليظل مملوكًا بالكامل لأوبر، بينما استمرت خدمات النقل في الظهور داخل التطبيق الشامل.

وهذا التطور يعكس تحولًا مهمًا في نموذج الشركة: كريم لم تعد مجرد شركة نقل تعتمد على الرحلات، بل أصبحت تبني نموذجًا أوسع حول الخدمات اليومية للمستخدم.

واليوم تصف كريم نفسها بأنها تعمل على بناء “تطبيق كل شيء” للشرق الأوسط الكبير، يضم التنقل وطلب الطعام والبقالة والمدفوعات وغيرها من الخدمات، وتقول إن خدماتها تغطي أكثر من 70 مدينة في 10 دول.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من قصة كريم؟

قصة كريم ليست مجرد قصة نجاح شركة تقنية عربية، بل مثال على كيفية بناء شركة من مشكلة محلية ثم توسيع نطاقها تدريجيًا.

أولًا: ابدأ من مشكلة واضحة.
لم تبدأ كريم بمحاولة بناء أكبر منصة في المنطقة. بدأت من مشكلة محددة تتعلق بالنقل، ثم بنت حولها منتجًا يمكن استخدامه والتوسع به.

ثانيًا: التوسع لا يعني نسخ النموذج نفسه.
العمل في أسواق مختلفة يتطلب فهم سلوك العملاء والبيئة المحلية والأنظمة وطبيعة السوق. وهذا كان جزءًا من رحلة كريم في المنطقة.

ثالثًا: التكنولوجيا ليست دائمًا المنتج.
في حالة كريم، أصبحت التكنولوجيا والبنية التشغيلية قاعدة يمكن بناء خدمات أخرى فوقها.

رابعًا: المنافسة قد تفتح بابًا جديدًا.
الاستحواذ على كريم من أوبر لم يكن مجرد خروج للمؤسسين والمستثمرين؛ بل أصبح مرحلة جديدة للشركة داخل منظومة أكبر، مع استمرار العلامة التجارية.

إنها قصة شركة إقليمية استطاعت تحويل مشكلة يومية إلى نموذج أعمال قابل للتوسع، ثم بناء قيمة كبيرة في سوق ناشئة، والوصول إلى واحدة من أبرز صفقات التكنولوجيا في المنطقة.

قد تكون قصة وتجربة شركة كريم واحدة من أهم وأقوى قصص النجاح في عالم الشركات العربية؛ فهي قصة بدأت من فكرة بسيطة، ثم تحولت إلى نموذج أعمال استطاع أن يعيد تعريف خدمات النقل في المنطقة، وينافس في واحدة من أكثر الأسواق العالمية تنافسية.

التالي
سليمان الراجحي ورحلة المليارات!

اترك تعليقاً