قصص الشركات

كيف كسبت نون سباق التسوق الإلكتروني

غيّرت التجارة الإلكترونية طريقة وصول المستهلك إلى المنتجات والخدمات، وأصبحت المنصات الرقمية جزءًا رئيسيًا من مشهد التجزئة في المنطقة. وفي قلب هذا التحول برزت نون كإحدى أهم المنصات التي ساهمت في تسريع انتشار التسوق الإلكتروني وتعزيز حضور التجارة الرقمية في الأسواق العربية.

في هذا السوق المتسارع، حقق موقع نون بعض النجاحات في تلبية تطلعات المستهلك العربي. وتُقدّر قيمة الشركة حالياً في 2026 بنحو 10 مليارات دولار، وتعمل في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر.  فيما بلغت القيمة الإجمالية لبضائع مبيعات نون السنوية حوالي 1.87  مليار دولار أمريكي. وتسجل الشركة معدلات نمو سنوية تتراوح بين  25% إلى 30% في العام 2025 بحسب موقع  ecdb.com

كيف بدأت فكرة نون؟

كان مشهد التجارة الإلكترونية في عام 2016 في الشرق الأوسط لا يزال في مرحلة مبكرة مقارنة بالأسواق الأمريكية والصينية والأوروبية. ورغم ارتفاع استخدام الإنترنت والهواتف الذكية، كانت نسبة التسوق الإلكتروني محدودة، فيما ظلت مراكز التسوق التقليدية تهيمن على سلوك المستهلك في دول الخليج.

في ذلك السياق، أعلن محمد العبار إطلاق مشروع نون، مدعومًا باستثمار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومستثمرين خليجيين. وكان الهدف يتجاوز إنشاء موقع لبيع المنتجات؛ فقد طُرحت نون باعتبارها منصة تجارة إلكترونية «من المنطقة وللمنطقة»، مع طموح لبناء تجربة تسوق رقمية تناسب طبيعة الأسواق العربية.

كان المشروع كبيرًا منذ البداية، إذ تحدثت الخطط الأولية عن ملايين المنتجات، ومستودعات ضخمة، وخدمات توصيل ودفع إلكتروني، بما يعكس إدراك المؤسسين أن المنافسة في التجارة الإلكترونية لا تعتمد على الموقع والتطبيق فقط، وإنما على بناء منظومة متكاملة خلفهما.

2017 نون تدخل السوق

بعد سلسلة من التحضيرات، انطلقت نون في الإمارات في أكتوبر 2017، قبل أن تدخل السوق السعودية في ديسمبر من العام نفسه. وكانت هذه الخطوة بمثابة الاختبار الحقيقي للنموذج الذي بُني خلال الأشهر السابقة.

لم تكن المنافسة سهلة، فقد كانت Souq.com  موجودة بالفعل في السوق، وكانت قد أصبحت جزءًا من شركة Amazon بعد استحواذ الأخيرة عليها في 2017، بينما كان المستهلك الخليجي لا يزال يتعامل مع التجارة الإلكترونية باعتبارها تجربة جديدة نسبيًا.

ومع ذلك، امتلكت نون منذ البداية عناصر قوة مهمة: رأس مال كبير، ودعم مستثمر مؤسسي سعودي، وشبكة من الشركاء والعلامات التجارية، إلى جانب التركيز على الخدمات اللوجستية وتجربة المستخدم.

لماذا كان السوق السعودي مهمًا لنون؟

كانت السعودية تمثل أكثر من مجرد سوق ضمن قائمة التوسع. فحجم الاقتصاد، والقوة الشرائية، والنسبة المرتفعة لاستخدام الإنترنت، إلى جانب التركيبة السكانية الشابة، جعلت المملكة بيئة جذابة للتجارة الإلكترونية.

وتغيرت البيئة الرقمية السعودية بصورة كبيرة في السنوات التي تلت إطلاق نون، ووفق هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وصلت نسبة انتشار الإنترنت في المملكة إلى 99% في 2024، بينما بلغت نسبة استخدام الهواتف المحمولة للوصول إلى الإنترنت 99.4%. كما أظهر التقرير أن 93.1% من المتسوقين إلكترونيًا كانوا يشترون من مواقع محلية.

2020 كورونا غيرت سلوك المستهلك

جاءت جائحة كورونا في 2020 لتمنح التجارة الإلكترونية دفعة استثنائية. إغلاق المتاجر والقيود على الحركة دفعا ملايين المستهلكين إلى الاعتماد بصورة أكبر على التسوق والتوصيل الإلكتروني.

وانعكس هذا التحول على طبيعة المنتجات التي يشتريها المستهلك عبر الإنترنت، إذ انتقلت التجارة الإلكترونية تدريجيًا من التركيز على الإلكترونيات والأزياء إلى منتجات البقالة والاحتياجات المنزلية والسلع اليومية. وقد تحدث مسؤولون في نون خلال تلك الفترة عن تغير واضح في مزيج المنتجات التي يطلبها العملاء.

المنافسة الكبيرة مع أمازون

وجدت نون نفسها من البداية امام منافسة شرسة مع أمازون بعد استحواذها على سوق.كوم في عام 2017، لتصبح أمام منافس عالمي يمتلك خبرة واسعة في التجارة الإلكترونية وبنية تقنية ولوجستية ضخمة. ومع ذلك، لم تدخل نون المنافسة بمحاولة تقليد النموذج العالمي، بل ركزت على بناء تجربة أقرب إلى المستهلك في المنطقة، من خلال تنويع المنتجات، وتطوير خدمات التوصيل والدفع، واستقطاب البائعين المحليين، والاستفادة من معرفتها بطبيعة الأسواق العربية؛ لتتحول المنافسة بين الطرفين إلى سباق على السعر والسرعة وتجربة المستخدم والثقة،  

من متجر إلكتروني إلى منظومة متكاملة

أحد أهم التحولات في قصة نون كان الانتقال من فكرة «موقع للتسوق» إلى بناء منظومة متكاملة حول التجارة الإلكترونية.

فالتجارة الإلكترونية لا تنتهي عندما يضغط العميل على زر الشراء؛ هناك عمليات الدفع، وإدارة المخزون، والتخزين، والتوصيل، وخدمة العملاء، وإدارة البائعين، والتعامل مع المرتجعات، وتحليل البيانات. ولذلك استثمرت نون في البنية اللوجستية وخدمات التوصيل والتقنيات المرتبطة بالتجارة الإلكترونية.

وتشير وثائق رؤية السعودية 2030 إلى أن نون أصبحت جزءًا من طموح تطوير قطاع التجزئة والسلع الاستهلاكية، مع بناء شبكة لوجستية واسعة وتوفير منصة للبائعين المحليين والدوليين، إلى جانب توسعها في خدمات تتجاوز التجارة الإلكترونية التقليدية.

2025 – 2026 إدراج نون في البورصة

نستعد منصة التجارة الإلكترونية “نون” خلال هذه الفترة للإدراج العام المزدوج في بورصتي السعودية والإمارات خلال الشهور القادمةـ وذلك في إطار خططها لإطلاق خدمة التوصيل الذاتي في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وفقاً لما ذكرته صحيفة فايننشال تايمز.

ما الذي يمكن أن نتعلمه من قصة نون؟

تقدم قصة نون درسًا مهمًا في بناء الشركات الرقمية: النجاح في التجارة الإلكترونية لا يعتمد على إنشاء متجر إلكتروني فحسب، وإنما على بناء منظومة قادرة على جعل عملية الشراء كاملة أكثر سهولة وسرعة وثقة.

ومنذ انطلاقها، راهنت نون على ثلاثة عناصر رئيسية: فهم السوق المحلي، والاستثمار في البنية التحتية، وبناء منصة تجمع البائع والمستهلك وخدمات الدفع والتوصيل في تجربة واحدة.

ولهذا يمكن النظر إلى قصة نون باعتبارها واحدة من أبرز قصص التحول في قطاع التجزئة بالعالم العربي خلال العقد الأخير؛ فقد بدأت كفكرة تستهدف تغيير طريقة التسوق في المنطقة، ثم أصبحت جزءًا من التحول الأوسع نحو اقتصاد رقمي تتزايد فيه أهمية المنصات الإلكترونية والبيانات واللوجستيات والخدمات الرقمية.

المراجع:

  • موقع رويترز: معلومات عن استثمار صندوق الاستثمارات العامة في نون وتأسيس المشروع.
  • تطور منصة نون وشراكاتها ومنافستها في سوق التجارة الإلكترونية الإقليمية – تقرير فوربس
  • إحصاءات الاقتصاد الرقمي لعام 2024 – الهيئة العامة للإحصاء السعودية (GASTAT)
  • تقرير الإنترنت السعودي 2024 – هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية (CST)

السابق
سيارة تسلا غيّرت قواعد اللعبة
التالي
فقاعة الإنترنت.. قصة الصعود والانهيار

اترك تعليقاً