حقق مصرف الراجحي في 2025 صافي دخل بلغ24.8 مليار ريال، بينما تجاوز إجمالي أصوله حاجز التريليون ريال ليصل إلى 1.043 تريليون ريال. هذه الأرقام لا تحكي فقط قصة بنك أصبح من أكبر المؤسسات المالية في المنطقة، بل تعيدنا إلى بداية مختلفة تمامًا: نشاط صغير في الصرافة بدأ في السعودية عام 1957، ثم تحول تدريجيًا إلى منظومة مصرفية واستثمارية ضخمة.
هي قصة سليمان الراجحي رجل الأعمال السعودي البارز، قدرت فوربس ثروته في ذروتها بحوالي 5.9 مليار دولارفي 2018. نقل أسهمه المصرفية في بنك الراجحي (تعادل 3.7 مليار دولار) ومشاريع زراعية وأصولًا أُخرى إلى وقف خيري يحمل اسمه، وهو يموِّل مساعي التعليم ومبادرات تُسهم في الأمن الغذائي.
كيف بدأت قصة الراجحي؟
قبل أن يصبح اسم الراجحي مرتبطًا بأحد أكبر البنوك في السعودية، كان النشاط أقرب إلى التجارة والصرافة منه إلى العمل المصرفي بمعناه الحديث. بدأت جذور النشاط عام 1957، عندما انطلقت أعمال الصرافة المرتبطة بالاسم العائلي، قبل أن تتوسع العمليات وتنتقل من نشاط فردي إلى مؤسسة أكثر تنظيمًا. ويشير مصرف الراجحي في تاريخه الرسمي إلى أن النشاط بدأ في ذلك العام، بينما تؤكد مصادر السوق المالية السعودية أن النشاط التجاري والمصرفي المرتبط بالاسم تطور لاحقًا عبر عدة مراحل مؤسسية.
كان التحول المهم في 1978، عندما جرى دمج المؤسسات الفردية التي تحمل اسم الراجحي تحت مظلة واحدة هي مؤسسة الراجحي للتجارة والصرافة. وبعد سنوات قليلة، جاءت خطوة أكثر تأثيرًا: التحول إلى شركة مساهمة في 1988، لتأخذ الأعمال شكلًا مصرفيًا مؤسسيًا أكثر وضوحًا.
من الصرافة إلى بنك متكامل
الفرق بين المرحلة الأولى وما أصبحت عليه المجموعة لاحقًا لا يكمن في حجم الأموال فقط، وإنما في طبيعة النشاط نفسه. فالصرافة كانت نقطة البداية، لكن التوسع الحقيقي جاء عندما تحولت الخبرة المتراكمة في التعاملات المالية إلى قاعدة لبناء مؤسسة مصرفية تقدم خدمات التمويل والودائع والاستثمار للأفراد والشركات.
ظهر الكيان المصرفي باسم شركة الراجحي المصرفية للاستثمار في 1988، ، قبل أن يعتمد اسم مصرف الراجحي في عام 2006. هذا التسلسل مهم لفهم القصة؛ فالمصرف الذي نراه اليوم لم يظهر فجأة، وإنما مر بعدة مراحل من التنظيم وإعادة الهيكلة وتوسيع نطاق الخدمات.
كما أن إدراج المصرف في السوق المالية السعودية عام 1988 نقل القصة إلى مرحلة مختلفة، إذ أصبح النمو مرتبطًا بإطار مؤسسي وشركة مساهمة مدرجة، وليس فقط بنشاط تجاري عائلي. وتوضح بيانات تداول السعودية أن المصرف أُدرج في السوق في الأول من ديسمبر 1988.
ما سر نجاح نموذج الراجحي؟
يمكن قراءة قصة الراجحي من زاوية أبعد من فكرة «عائلة بنت بنكًا». أحد أهم عناصر النمو كان بناء نموذج مصرفي متوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ثم تطويره مع تغير احتياجات السوق السعودية. وبمرور الوقت، أصبح المصرف جزءًا من الحياة المالية اليومية لملايين العملاء، من التمويل الشخصي والعقاري إلى الخدمات المصرفية الرقمية وتمويل الشركات.
هذا الانتقال من خدمة مالية محددة إلى منظومة متكاملة هو أحد مفاتيح فهم الرحلة. فالنمو لم يعتمد على منتج واحد، بل على توسيع العلاقة مع العميل وزيادة عدد الخدمات والقنوات التي يمكن من خلالها الوصول إليه.
ومن اللافت أن البنك لم يتوقف عند التوسع التقليدي. ففي 2025، كان لديه 14.9 مليون مستخدم رقمي نشط، ونفذ في المتوسط أكثر من مليار معاملة مصرفية شهريًا، وفق التقرير السنوي للمصرف. وهذه الأرقام توضح أن قصة الراجحي لم تعد قصة فروع وصرافين، بل قصة تحول رقمي واسع داخل مؤسسة عمرها عقود.
كيف حقق الراجحي هذه المليارات؟
النمو الكبير جاء عبر تراكم طويل، وليس عبر قفزة واحدة. بعد التحول إلى شركة مساهمة وإدراجها في السوق المالية السعودية، أصبح لدى المصرف إطار مؤسسي يسمح له بالتوسع وتطوير أعماله تحت رقابة السوق والجهات التنظيمية.
ثم اتسعت قاعدة العملاء، وتنوعت منتجات التمويل، وتطورت القنوات الإلكترونية، وأصبح المصرف لاعبًا رئيسيًا في قطاعات التجزئة المصرفية والتمويل العقاري وتمويل السيارات والخدمات المصرفية للشركات.
والأهم أن هذه النتائج لم تأتِ من التوسع في الأصول وحده؛ فقد أظهر المصرف في 2025 عائدًا على حقوق الملكية بلغ 23.4%، بينما بلغت نسبة القروض المتعثرة 0.75%، وهي مؤشرات تعطي صورة أوسع عن الأداء من مجرد النظر إلى حجم الأصول.
الراجحي.. من قصة عائلية إلى مؤسسة مدرجة
من السهل اختزال قصة الراجحي في أسماء أفراد من العائلة أو في ثروات المساهمين، لكن ذلك قد يخفي الجزء الأهم من القصة الاقتصادية. فالمؤسسة التي بدأت بنشاط صرافة تحولت إلى شركة مساهمة مدرجة، وأصبح نموها مرتبطًا بأداء أعمالها وقاعدة عملائها ورأس مالها واستراتيجيتها، وليس فقط بثروة مؤسسيها.
مشاريع الأمن الغذائي
عمل الراجحي في القطاع الزراعي والصناعي ومختلف القطاعات الغذائية مثل الدواجن والروبيان، من التجارب الرائدة في مجال الأمن الغذائي تجربته في شركة دواجن الوطنية.
كما كانت له العديد من التجارب في مختلف المجالات الهامة، ومن الشركات التي ساهمت في هذا المجال هي الوطنية الزراعية في القصيم، والوطنية الزراعية، والتي تعتبر من التجارب الرائدة كونها تعتمد بشكل كلي على المنتجات والطرق والأسمدة الطبيعية بدون أية مواد كيميائية.
من تجربة شخصية إلى نموذج أعمال
ما يجعل قصة سليمان الراجحي مختلفة أن الصعود لم يكن قائمًا على انتقال سريع من مشروع صغير إلى ثروة ضخمة، وإنما على تراكم طويل للخبرة والعلاقات وفهم السوق. فبعد سنوات الصرافة، بدأ التوسع بصورة أكثر وضوحًا في عام 1972 من خلال تأسيس مؤسسة تحمل اسمه وفتح فروع في جدة ومدن أخرى، ثم توسع لاحقًا في مجالات من بينها العقار إلى جانب نشاطه المالي.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة بين قصة سليمان الراجحي الشخصية وقصة مصرف الراجحي بصورة أدق؛ فالمصرف لم يكن نقطة البداية، بل كان نتيجة عقود من العمل والتجربة والتوسع المؤسسي. لذلك فإن قراءة رحلة الراجحي بوصفها قصة عصامية لا تعني اختصارها في رجل بدأ فقيرًا وأصبح مليارديرًا، بل في تتبع الطريقة التي حوّل بها خبرة مهنية مبكرة إلى نموذج أعمال قابل للنمو والاستمرار عبر عقود
ما الذي يمكن أن نتعلمه من قصة الراجحي؟
أهم درس في قصة الراجحي ربما لا يتعلق بالبنوك أصلًا، بل بفكرة بناء الأعمال على مراحل. النشاط الذي بدأ صغيرًا في الصرافة لم يحاول القفز مباشرة إلى صورة المؤسسة العملاقة، بل مر عبر التوسع، ثم التنظيم، ثم التحول المؤسسي، ثم الإدراج، ثم تنويع المنتجات والقنوات.
كما أن القصة توضح قيمة بناء الثقة في قطاع يعتمد على الأموال والالتزامات طويلة الأجل. فاستمرار العلاقة مع العميل لعقود يختلف جذريًا عن بيع منتج لمرة واحدة، ولذلك يصبح الاسم التجاري، والقدرة على إدارة المخاطر، والالتزام التنظيمي، وتجربة العميل، عناصر أساسية في النمو.
ولهذا فإن قصة الراجحي تستحق أن تُقرأ باعتبارها قصة تحول اقتصادي ومؤسسي، لا مجرد قصة ثراء؛ لأن القيمة الحقيقية في الرحلة ليست في الرقم النهائي وحده، بل في الطريقة التي انتقل بها نشاط صغير إلى واحدة من أكبر المنظومات المصرفية في المنطقة.
المراجع
- مصرف الراجحي – الموقع الرسمي والتقرير السنوي 2025
- مصرف الراجحي – علاقات المستثمرين — بيانات تاريخ المصرف ونتائجه المالية
- تداول السعودية – الملف التعريفي لمصرف الراجحي — بيانات التأسيس والتحول والإدراج في السوق المالية.
