قصص أزمات

فقاعة الإنترنت.. قصة الصعود والانهيار

في نهاية التسعينيات، بدا الإنترنت وكأنه بوابة إلى اقتصاد جديد لا حدود لنموه، فتدفقت الأموال إلى شركات التقنية الناشئة وارتفعت تقييماتها بوتيرة لم تكن تتناسب دائمًا مع إيراداتها أو أرباحها. وبين سبتمبر 1998 ومارس 2000، ارتفع مؤشر ناسداك بنحو 170%، قبل أن ينقلب المشهد سريعًا مع انفجار ما عُرف لاحقًا بـفقاعة الإنترنت.

لم تكن المشكلة في الإنترنت نفسه، بل في الطريقة التي تعامل بها المستثمرون مع الوعود التي حملتها التقنية الجديدة؛ إذ تحولت توقعات النمو إلى مضاربات، وتحولت أسماء الشركات التي تنتهي بـ «.com» إلى عامل جذب لرأس المال، حتى أصبحت قيمة بعض الشركات منفصلة بدرجة كبيرة عن قدرتها الفعلية على تحقيق الإيرادات والأرباح.

كيف بدأت فقاعة الإنترنت؟

لفهم القصة، علينا العودة إلى منتصف التسعينيات، عندما بدأ استخدام الإنترنت التجاري يتوسع بسرعة، وظهرت شركات جديدة تحاول بناء نماذج أعمال تعتمد على الشبكة العالمية، سواء في التجارة الإلكترونية أو الإعلانات أو تقديم الخدمات الرقمية.

كان ذلك التحول حقيقيًا، وليس مجرد وهم استثماري؛ فالإنترنت كان بالفعل تقنية تغير طريقة التواصل والتجارة والوصول إلى المعلومات. المشكلة ظهرت عندما بدأ المستثمرون يتعاملون مع كل شركة مرتبطة بالإنترنت تقريبًا باعتبارها مشروعًا مرشحًا للنمو الهائل، حتى لو لم تكن تمتلك نموذجًا واضحًا لتحقيق الأرباح.

بحسب دراسة منشورة عبر Federal Reserve Bank of Cleveland، كانت التقييمات المرتفعة لشركات التكنولوجيا تتطلب افتراض استمرار نمو الأرباح لفترات طويلة وبمعدلات استثنائية حتى يمكن تبرير أسعار الأسهم. وهكذا بدأ الفرق يتسع بين قيمة الشركة في السوق وقيمتها الاقتصادية الفعلية.

لماذا اندفع المستثمرون وراء شركات الإنترنت؟

كان هناك أكثر من عامل يغذي موجة التفاؤل. فقد أتاحت أسواق المال للشركات الناشئة الوصول إلى رأس المال، بينما كان المستثمرون يبحثون عن الشركة التالية التي يمكن أن تحقق عائدًا استثنائيًا.

وفي الوقت نفسه، كانت فكرة الاقتصاد الجديد جذابة للغاية؛ إذ اعتقد كثيرون أن الإنترنت سيغير القواعد التقليدية للأعمال، وأن الشركات الرقمية لا تحتاج بالضرورة إلى تحقيق الأرباح بالطريقة التي اعتادت عليها الشركات التقليدية. خلق هذا المناخ دائرة متصاعدة: ارتفاع أسعار الأسهم جذب مزيدًا من المستثمرين، وتدفق المستثمرين رفع التقييمات، وارتفاع التقييمات منح الشركات قدرة أكبر على جمع الأموال، ثم أصبح ارتفاع السعر نفسه دليلًا لدى البعض على صحة الرهان.

1999  عام الهوس بالإنترنت

وصلت الحماسة إلى مستويات استثنائية في عام 1999. ووفق Goldman Sachs، ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 86%  خلال العام وحده، قبل أن يصل إلى ذروته في 10 مارس 2000.  في تلك المرحلة، لم يعد المستثمرون يراهنون فقط على شركات الإنترنت الناشئة، بل أصبحت شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها جزءًا أساسيًا من موجة الصعود.

وكانت الاكتتابات العامة الأولية من أبرز مظاهر الحمى الاستثمارية. شركات لم تكن قد أثبتت قدرتها على تحقيق أرباح مستدامة أصبحت قادرة على جذب مبالغ ضخمة من المستثمرين، بينما كان ارتفاع سعر السهم بعد الاكتتاب يزيد من شهية السوق تجاه الاكتتابات التالية.

بداية الانهيار في مارس 2000

في العاشر من مارس 2000، وصل ناسداك إلى ذروته عند نحو 5,048  نقطة. وبعدها تغيرت المعادلة. حيث بدأ المستثمرون في إعادة النظر في تقييمات شركات التكنولوجيا، وظهرت علامات متزايدة على أن الكثير من الشركات لن يتمكن من تحقيق الأرباح التي كانت أسعار أسهمها تفترضها.

لم يكن الانخفاض في البداية يبدو وكأنه انهيار طويل الأمد؛ فقد شهد السوق محاولات للارتداد، لكن الثقة كانت قد بدأت تتآكل، ومع تراجع التمويل أصبحت الشركات التي تعتمد على رأس المال الخارجي أمام مشكلة أكبر بكثير. وفي غضون أسابيع، خسر السوق جزءًا كبيرًا من قيمته، ثم تحول التراجع إلى موجة ممتدة استمرت لأكثر من عامين.

من ارتفاع الأسهم إلى إفلاس الشركات

كان انهيار الأسهم هو الوجه الأكثر وضوحًا للأزمة، لكن الضرر الاقتصادي امتد إلى الشركات والموظفين والمستثمرين وأسواق رأس المال. فالشركات التي اعتمدت على التمويل المستمر أصبحت تواجه واقعًا مختلفًا؛ فالمستثمر الذي كان مستعدًا لتمويل شركة خاسرة على أمل نموها المستقبلي أصبح أكثر اهتمامًا بالإيرادات والتدفقات النقدية والقدرة على تحقيق الأرباح.

بدأت شركات الإنترنت في تقليص عملياتها وتسريح الموظفين أو الخروج من السوق بالكامل. وانخفضت قيمة الأسهم المدرجة في السوق الأمريكي في نهاية عام 2002، بنحو  2.8 تريليون دولار ، وفق إفصاح لدى SEC.

أبرز الشركات التي تأثرت بفقاعة الإنترنت

أدت أزمة فقاعة الإنترنت إلى افلاس وخسائر لعدد كبير من الشركات التقنية، فيما تعرضت شركات أخرى كانت تمتلك أعمالًا حقيقية لخسائر ضخمة في القيمة السوقية. ومن أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة:

  • Pets.com: المتجر الإلكتروني المتخصص في بيع مستلزمات الحيوانات الأليفة، أغلق أعماله في نوفمبر 2000، بعد نحو 9 أشهر فقط من طرحه للاكتتاب العام.
  • Webvan : شركة لتوصيل البقالة عبر الإنترنت، توسعت بسرعة وأنفقت مئات الملايين على البنية التحتية، قبل أن توقف عملياتها وتدخل إجراءات الإفلاس في يوليو 2001، وتخسر نحو 2,000 موظف وظائفهم.
  • Kozmo.com: قدمت خدمة توصيل خلال ساعة دون رسوم توصيل، لكن ارتفاع تكاليف التشغيل مقارنة بقيمة الطلبات أدى إلى إغلاق الشركة في 2001.
  • : eToysكانت من أبرز شركات تجارة الألعاب عبر الإنترنت في تلك الفترة، لكنها دخلت في الإفلاس عام 2001 بعد أن واجهت صعوبات في تحقيق نموذج أعمال مستدام.
  • : Boo.com شركة بريطانية لبيع الأزياء عبر الإنترنت، أنفقت نحو  135 مليون دولار من رأس المال الاستثماري خلال فترة قصيرة قبل انهيارها في مايو 2000.

ولم يتوقف التأثير عند الشركات الناشئة؛ فقد طالت موجة الانخفاض شركات تقنية كبيرة كانت تمتلك أعمالًا قائمة، من بينها أمازون، ياهو، أي باي، سيسكو، أنتل ومايكروسوفت. وتشير بيانات تاريخية إلى أن بعض هذه الأسهم فقد نسبًا كبيرة من قيمته خلال فترة الانهيار، رغم أن الشركات نفسها نجت واستطاعت مواصلة النمو لاحقًا.

ومن اللافت أن سيسكو، إحدى الشركات التي استفادت بقوة من توسع البنية التحتية للإنترنت، أصبحت في مارس 2000 الشركة الأعلى قيمة في العالم، قبل أن تتعرض أسهمها لانخفاض حاد مع انهيار الفقاعة..

هل كان الإنترنت هو سبب الأزمة؟

المفارقة المهمة في قصة فقاعة الإنترنت أن التقنية نفسها لم تكن فاشلة. لأن الإنترنت واصل الانتشار بعد الأزمة، والتجارة الإلكترونية أصبحت صناعة ضخمة، والشركات التي نجت من الانهيار تمكن بعضها من بناء نماذج أعمال أكثر استدامة.

كانت المشكلة في التقييمات والتوقعات وسلوك المستثمرين، وليس في فكرة الإنترنت باعتبارها تقنية.

وهنا تكمن إحدى أهم دروس الأزمة: يمكن أن تكون التقنية ثورية فعلًا، ومع ذلك تكون بعض الشركات المرتبطة بها مبالغًا في تقييمها.

ماذا تعلم الاقتصاد من فقاعة الإنترنت؟

كشفت الأزمة أن الابتكار لا يلغي القواعد الأساسية للأعمال. فحتى الشركة التي تعمل في سوق جديدة تحتاج في النهاية إلى نموذج اقتصادي قادر على تحويل النمو إلى إيرادات وأرباح وتدفقات نقدية. كما أظهرت الأزمة أهمية التمييز بين قيمة التقنية وقيمة الشركة؛ فقد تكون التكنولوجيا المستخدمة في مشروع ما واعدة للغاية، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أن الشركة التي تستخدمها تستحق أي تقييم يضعه السوق لها.

والأهم أن فقاعة الإنترنت لم تكن نهاية الاقتصاد الرقمي، بل كانت مرحلة تصحيح قاسية أعادت ترتيب السوق. الشركات التي اعتمدت على الضجة وحدها اختفت، بينما بقيت الشركات القادرة على بناء منتجات حقيقية وقاعدة عملاء ونموذج اقتصادي أكثر استدامة.

السابق
كيف كسبت نون سباق التسوق الإلكتروني

اترك تعليقاً