قليلون استطاعوا الانتقال من قطاع إلى آخر مع الحفاظ على حضورهم في مشروعات غيّرت شكل الأسواق والمدن. محمد العبار واحد من هؤلاء؛ فقد ارتبط اسمه بتأسيس إعمار العقارية، ثم توسع نشاطه إلى التجارة الإلكترونية والضيافة والتجزئة والاستثمار، فيما تُقدّر فوربس صافي ثروته بنحو3 مليارات دولار في مارس 2026.
إنها قصة انتقال من العمل الاقتصادي إلى صناعة الأعمال، ومن مشروع محلي إلى محفظة ذات حضور إقليمي ودولي. قصة العبار لا تختصر في حجم الثروة أو عدد الشركات التي شارك في تأسيسها، وإنما في مسار مختلف بدأ من دراسة الاقتصاد والأعمال، مرورًا بالعمل الحكومي، وصولًا إلى بناء شركات ومشروعات أصبحت جزءًا من الصورة الاقتصادية الحديثة لدبي والمنطقة.
من الدراسة إلى فهم الاقتصاد
درس محمد العبار المالية وإدارة الأعمال في “جامعة سياتل” بالولايات المتحدة، وتخرج منها عام 1981، قبل أن يعود إلى الإمارات ويبدأ مسيرته المهنية في القطاع المصرفي. كانت بدايته في “مصرف الإمارات المركزي” في مجال الإشراف المصرفي، قبل انتقاله لاحقًا إلى العمل في القطاع الاستثماري والعقاري.
هذه المرحلة كانت مهمة في تشكيل رؤيته؛ فالعمل في المؤسسات المالية والاستثمارية أتاح له فهم العلاقة بين رأس المال، والسياسات الاقتصادية، والقطاع الخاص، وهو ما سيظهر لاحقًا بوضوح في مسيرته.
وفي عام 1992، تولى العبار دورًا قياديًا في دائرة التنمية الاقتصادية في دبي، حيث ارتبط عمله بسياسات تهدف إلى تعزيز التجارة والأعمال وفتح مساحة أكبر أمام القطاع الخاص. كما كان جزءًا من دوائر صنع القرار الاقتصادي في الإمارة خلال مرحلة كانت دبي فيها تعيد رسم موقعها في المنطقة.
بداية قصة إعمار عام 1997
بعد سنوات من العمل في المجال الاقتصادي والحكومي، جاءت المحطة التي ستغيّر مسيرة العبار: تأسيس إعمار العقارية عام 1997. اتجهت الشركة منذ بداياتها إلى تطوير مجتمعات ومشروعات متكاملة تجمع السكن والتجارة والضيافة والترفيه، وهي رؤية ساعدت في تغيير طريقة تقديم المنتج العقاري في دبي.
ومع مرور السنوات، أصبحت “مجموعة إعمار العقارية” مرتبطة بمشروعات عالمية الشهرة، أبرزها برج خليفة ودبي مول، كما توسعت أعمالها خارج الإمارات. وتوضح فوربس أن الشركة تأسست عام 1997 وأُدرجت في سوق دبي المالي عام 2000، بينما أصبحت مشروعاتها جزءًا بارزًا من المشهد العمراني والاقتصادي في دبي.
برج خليفة.. علامة اقتصادية
ربما كان برج خليفة المثال الأكثر وضوحًا على هذه الرؤية. فالمشروع لم يصبح مجرد ناطحة سحاب، وإنما تحول إلى رمز عالمي لدبي، ورافقه تطوير منطقة وسط مدينة دبي التي أصبحت وجهة للسكان والسياح والمستثمرين.
وتكمن أهمية هذه المشروعات في قصة محمد العبار أنها توضح فلسفته في بناء العلامات والمواقع التي تتجاوز قيمتها الأصلية؛ فالمشروع العقاري الناجح يمكن أن يصبح عنصرًا في صناعة السياحة، ويرفع جاذبية المدينة، ويخلق نشاطًا لمتاجر وفنادق ومطاعم وخدمات مرتبطة به.
من العقارات إلى التجارة الإلكترونية
لو توقفت قصة العبار عند إعمار، لكانت وحدها كافية لصناعة سيرة مهنية لافتة، لكنه اتجه لاحقًا إلى قطاعات مختلفة، ومن أبرزها التجارة الإلكترونية من خلال منصة “نون للتجارة الإلكترونية”.
ظهر موقع نون في وقت كانت فيه المنافسة على التجارة الإلكترونية في المنطقة تتسارع، خصوصًا مع حضور الشركات العالمية، وكان التحدي يتمثل في بناء منصة قادرة على فهم المستهلك العربي والعمل داخل سوق إقليمي شديد التنوع.. وتصف مصادر نون بأنها من أبرز منصات التجارة الإلكترونية في المنطقة.
توسع يتجاوز العقار
لم تتوقف استثمارات محمد العبار عند إعمار ونون، فقد أسس في عام 2014 شركة إيجل هيلز، التي توسعت في مشروعات عقارية وفندقية ومتاجر في عدد من الأسواق الدولية. وتذكر فوربس أن مشروعات الشركة امتدت إلى 10 دول عبر ثلاث قارات.
كما ارتبط اسمه بقطاع المطاعم من خلال أمريكانا للمطاعم، إلى جانب اهتماماته في التكنولوجيا والخدمات اللوجستية والضيافة والاستثمار. وتكشف هذه المحطات عن استراتيجية أوسع من مجرد بناء شركة عقارية؛ إنها محاولة لبناء محفظة أعمال موزعة على قطاعات ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر باستهلاك الأفراد ونمو المدن والأسواق.
أرقام تعكس حجم التحول
تعطي نتائج إعمار الأخيرة صورة واضحة عن حجم المنظومة التي ارتبط بها اسم العبار. ففي عام 2025، سجلت إعمار إيرادات بلغت نحو 49.6 مليار درهم، أي ما يعادل 13.5 مليار دولار، بزيادة قدرها 40% على أساس سنوي، بينما وصل إجمالي أصولها إلى نحو 50.8 مليار دولار وفق بيانات الشركة التي أوردتها فوربس في تصنيفها لعام 2026. كما بلغت مبيعات العقارات 21.9 مليار دولار.
لم تكن رحلة العبار خالية من التحديات. فقد تعرض القطاع العقاري في دبي لضغوط كبيرة بحسب فايننشال تايمز خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وكانت آثار الأزمة قاسية على الشركات والأسواق العقارية في المنطقة، لكنه واصل بناء أعماله وتوسيع نشاطه في السنوات التالية، قبل أن ينتقل بصورة أكبر إلى مشروعات دولية من خلال إيجل هيلز وغيرها من الاستثمارات.
ما الذي يميز تجربة محمد العبار؟
يمكن تلخيص تجربة العبار في ثلاث أفكار رئيسية: الرؤية طويلة الأجل، وتنويع الأعمال، وربط الاستثمار بالتغير الاقتصادي.
وهنا تظهر واحدة من أهم الدروس في قصته: النجاح في ريادة الأعمال لا يرتبط فقط بالقدرة على النمو عندما تكون الأسواق في أفضل حالاتها، وإنما بقدرة صاحب القرار على إعادة ترتيب الأولويات والتكيف مع تغير الظروف.
فهو لم ينظر إلى العقار كمنتج منفصل عن بقية الاقتصاد، بل ربطه بالسياحة والتجزئة والترفيه والضيافة، ثم انتقل إلى التجارة الإلكترونية والتكنولوجيا وقطاعات أخرى تتأثر بتغير سلوك المستهلك.
ربما يكون برج خليفة هو الصورة الأكثر شهرة المرتبطة بمحمد العبار، لكن قراءة مسيرته تكشف أن البرج لم يكن نهاية القصة، بل إحدى محطاتها. من العمل في القطاع المصرفي، إلى المسؤولية الحكومية، ثم تأسيس إعمار، وبعدها التوسع في العقار والتجارة الإلكترونية والضيافة والتجزئة والاستثمار، ظل العامل المشترك هو البحث عن الفرص التي يمكن أن تتحول إلى أعمال قابلة للنمو.
وفي النهاية، فإن أكثر ما يجعل تجربة محمد العبار جديرة بالدراسة ليس فقط ما بناه، بل الطريقة التي انتقل بها بين القطاعات، واستفاد من التحولات الاقتصادية، وحوّل المشروعات إلى علامات قادرة على التأثير في سلوك المستهلك وصورة المدن والأسواق.
مراجع المقال
- محمد العبار ضمن أثرياء العرب 2026 – موقع فوربس بيانات الثروة والأعمال الرئيسية.
- أكثر قادة العقار تأثيرًا 2026 -موقع فوربس بيانات إعمار وأعمال العبار.
- مسيرة العبار والتوسع الدولي والتحديات- فاينانشال تايمز
