تخيّل أن مهندسًا يستطيع التجول داخل مبنى لم يُبنَ بعد، وأن طالب طب يتدرّب على إجراء عملية جراحية في بيئة افتراضية، أو أن موظفًا يتعلم التعامل مع موقف خطير من دون تعريض نفسه للخطر. هذه ليست مشاهد من أفلام الخيال العلمي، بل تطبيقات لتقنية الواقع الافتراضي التي تتيح للمستخدم الدخول إلى بيئات رقمية ثلاثية الأبعاد والتفاعل معها كما لو كان حاضرًا داخلها.
ويكشف حجم الاستثمار في هذا المجال عن الرهان الكبير الذي وضعته شركات التكنولوجيا عليه؛ فقد سجل قطاع Reality Labs التابع لشركة Meta، والمسؤول عن تطوير منتجات الواقع الافتراضي والواقع الممتد، خسائر تشغيلية بلغت نحو 17.7 مليار دولار خلال عام 2024، رغم تحقيقه إيرادات من أجهزته وخدماته. وتعكس هذه الأرقام الفجوة بين طموح الشركات لبناء منصة حوسبة جديدة وبين صعوبة تحويل الاستثمار التقني الضخم إلى نشاط مربح ومستدام.
ما الفرق بين الواقع الافتراضي والواقع المعزز؟
يُستخدم مصطلح الواقع الافتراضي (Virtual Reality – VR) لوصف تقنية تنشئ بيئة رقمية ثلاثية الأبعاد يستطيع المستخدم استكشافها والتفاعل معها باستخدام نظارات أو خوذات مخصصة، وغالبًا عبر وحدات تحكم أو وسائل تتبع حركة الرأس واليدين. وعند ارتداء الجهاز، تحل البيئة الرقمية محل المشهد المحيط بالمستخدم، فتتغير الصورة تبعًا لاتجاه النظر والحركة، وهو ما يعزز الإحساس بالحضور داخل العالم الافتراضي.
أما الواقع المعزز (Augmented Reality – AR)، فيضيف عناصر رقمية إلى البيئة الحقيقية، مثل عرض مجسم افتراضي فوق طاولة حقيقية عبر كاميرا الهاتف، بينما يجمع الواقع المختلط (Mixed Reality – MR) بين العناصر الرقمية والمادية بطريقة تتيح تفاعلًا أكثر تعقيدًا بينهما. ويساعد التمييز بين هذه التقنيات على فهم السوق؛ فالأجهزة التي تجمع الواقع الافتراضي والمعزز لا تمثل بالضرورة سوق الواقع الافتراضي وحده.
من الألعاب إلى التعليم والتدريب المهني
ارتبط انتشار الواقع الافتراضي في البداية بألعاب الفيديو والترفيه، لكن استخداماته أخذت تتوسع إلى مجالات تكون فيها التجربة العملية مكلفة أو صعبة أو محفوفة بالمخاطر. ففي التعليم، يستطيع الطلاب استكشاف مواقع تاريخية أو مشاهدة نماذج ثلاثية الأبعاد لجسم الإنسان، بينما يمكن للمهندسين التدرب على إجراءات تشغيل المعدات، ويمكن لفرق الطوارئ محاكاة مواقف خطرة قبل التعامل معها في الواقع.
وفي القطاع الصحي، تتيح المحاكاة الافتراضية للأطباء والمتدربين تكرار بعض الإجراءات في بيئة تدريبية، فيما تستخدم مؤسسات صحية أدوات غامرة لتدريب الجراحين على مهارات محددة.
كما بدأت الشركات توظف هذه التقنية في تدريب الموظفين على خدمة العملاء والتعامل مع المواقف المهنية المعقدة. وفي مقال نشرته Forbes في يوليو 2025، استعرضت المجلة تجربة شركة Medtronic في استخدام محاكاة تجمع الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي لتدريب فرق المبيعات، ونقلت عن الشركة تحسنًا في الثقة والاحتفاظ بالمعلومات لدى المشاركين في التجربة.
لماذا تراهن شركات التكنولوجيا على الواقع الافتراضي؟
لا يرتبط الاستثمار في الواقع الافتراضي ببيع الأجهزة وحدها، بل ببناء منظومة متكاملة تشمل البرمجيات والألعاب والتطبيقات التعليمية وخدمات الشركات والمحتوى الرقمي. فكلما زادت التطبيقات المفيدة، ارتفعت احتمالات عودة المستخدم إلى الجهاز، وأصبح بإمكان المطورين إنشاء مصادر دخل جديدة من الاشتراكات والمشتريات الرقمية وتراخيص الاستخدام المؤسسي.
وتجسد شركة Meta هذا الرهان من خلال أجهزة Quest ومنصاتها للواقع الافتراضي والمختلط، في حين تسعى شركات أخرى إلى دمج التقنية مع أدوات الذكاء الاصطناعي وتطوير أجهزة أخف وأكثر سهولة في الاستخدام. لكن الأرقام المالية تكشف أن الطريق إلى الربحية ليس مضمونًا؛ فقد ذكرت وكالة Reuters في أبريل 2025 أن Meta أجرت تخفيضات وظيفية داخل قسم Reality Labs، في إطار إعادة هيكلة تستهدف تحسين الكفاءة في تطوير منتجات الواقع الافتراضي والمختلط.
ما أبرز التحديات التي تواجه الواقع الافتراضي؟
على الرغم من تطور الأجهزة والبرمجيات، لا يزال الواقع الافتراضي يواجه مجموعة من العقبات التي تحد من انتشاره. تأتي التكلفة في مقدمتها، خصوصًا في الأجهزة المتقدمة التي قد تتطلب ملحقات أو حواسيب قوية أو اشتراكات إضافية، إلى جانب تحديات الوزن وراحة الاستخدام والبطارية وجودة المحتوى المتاح.
وتواجه الشركات تحديًا آخر يتمثل في إثبات العائد على الاستثمار. فشراء أجهزة الواقع الافتراضي لا يضمن تحسن أداء الموظفين أو ارتفاع المبيعات، ما لم تُصمم التطبيقات وفق أهداف قابلة للقياس، مثل تقليل وقت التدريب أو تحسين إتقان المهارات أو خفض تكلفة المحاكاة مقارنة بالأساليب التقليدية.
هل يصبح الواقع الافتراضي جزءًا من الحياة اليومية؟
يرتبط مستقبل الواقع الافتراضي بقدرته على الانتقال من الاستخدامات المتخصصة إلى التجارب التي تقدم فائدة واضحة ومتكررة، سواء في التعليم أو التدريب أو التصميم الهندسي أو الترفيه. وقد يسهم دمجه مع الذكاء الاصطناعي في إنشاء بيئات أكثر تفاعلية، تتكيف مع احتياجات المستخدم وتستجيب لتصرفاته بصورة طبيعية، لكن انتشار هذه الاستخدامات سيعتمد أيضًا على تحسن الأجهزة وتراجع تكلفتها وتوافر محتوى يستحق الاستثمار فيه.
