قصص تكنولوجيا

الباركود.. ابتكار صغير غيّر تجارة العالم

في كل مرة تمر فيها سلعة عبر صندوق الكاشير في متجر، تُقرأ خطوط سوداء متجاورة خلال لحظات، فتظهر بيانات المنتج وسعره في نظام البيع، وقد تُحدَّث معها سجلات المخزون. تبدو العملية بسيطة إلى درجة يصعب معها تخيّل أثرها في الاقتصاد العالمي، لكن الباركود أصبح حلقة وصل بين المنتج المادي والبيانات التي تتحرك عبر المتاجر والمستودعات وسلاسل الإمداد

واليوم، يتجه هذا الابتكار إلى مرحلة جديدة؛ إذ تستهدف مبادرة Sunrise 2027  أن تصبح أنظمة نقاط البيع قادرة على قراءة الباركودات ثنائية الأبعاد، مثل رموز  QR المتوافقة مع معايير GS1، إلى جانب الباركود التقليدي بحلول نهاية عام 2027

ما هو الباركود

هو تمثيل مرئي للبيانات بتنسيق يمكن قراءته آليًا، ويتكون من سلسلة من الخطوط المتوازية والأشرطة والمسافات بأعرض مختلفة، أو رموز ثنائية الأبعاد، تُشفر معلومات خاصة بالمنتج مثل رقم التعريف والسعر والتفاصيل

بداية الفكرة

تعود جذور الفكرة إلى أواخر أربعينيات القرن العشرين، عندما بدأ المهندس الأميركي نورمان جوزيف وودلاند التفكير في طريقة لتمثيل معلومات المنتجات باستخدام خطوط يمكن قراءتها آليًا. وتذكر GS1، المنظمة التي تدير معايير الباركود العالمية، أن وودلاند استلهم الفكرة من شفرة مورس، ثم رسم خطوطًا على الرمال أثناء إقامته مع أجداده في ميامي، قبل أن يسجل مع شريكه براءة اختراع لتصميم دائري عام 1952. غير أن الفكرة احتاجت سنوات طويلة قبل أن تصبح عملية، لأن استخدامها على نطاق تجاري كان يتطلب تطور تقنيات القراءة الإلكترونية والحوسبة.

في أوائل السبعينيات، اجتمعت شركات من قطاع البقالة الأميركي للاتفاق على معيار موحد لتعريف المنتجات بدلًا من تعدد الأنظمة والملصقات. وفي أبريل 1973، وقع الاختيار على معيار الرمز الشريطي الذي تطور إلى نظام UPC، لتبدأ مرحلة جديدة في تنظيم عمليات البيع. لم يكن الاتفاق تقنيًا فحسب؛ فقد كان قرارًا جماعيًا بين أطراف تتنافس في السوق، لكنها أدركت أن اعتماد معيار مشترك يمكن أن يخفض الاحتكاك في عمليات التجارة ويجعل تبادل البيانات أكثر كفاءة.

أول عملية مسح للباركود

في يونيو 1974، مرّت عبوة علكة Wrigley’s Juicy Fruit  عبر جهاز مسح في متجر  Marsh بمدينة تروي في ولاية أوهايو الأميركية، لتصبح أول منتج يُمسح ضوئيًا باستخدام الباركود التجاري الموحد. كان سعر العبوة آنذاك  67 سنتًا، لكن أهمية اللحظة تجاوزت قيمة المشتريات؛ فقد انتقلت فكرة التعريف الآلي بالمنتجات من مرحلة التصميم والمعايير إلى الاستخدام الفعلي عند نقطة البيع. وتوثّق GS1  هذه الواقعة بوصفها أول عملية مسح لباركود من هذا النظام.

لم يتحول الباركود إلى معيار عالمي بمجرد نجاح التجربة الأولى، فقد احتاج انتشاره إلى أجهزة قراءة موثوقة، وأنظمة حاسوبية لدى المتاجر، واتفاق بين المصنعين والموزعين وتجار التجزئة على استخدام أرقام ومعايير متوافقة.

كيف غيّر الباركود اقتصاد المتاجر وسلاسل الإمداد؟

كانت القيمة الاقتصادية الحقيقية للباركود في قدرته على تحويل عمليات متكررة، مثل تسجيل المبيعات وجرد البضائع، إلى إجراءات أسرع وأكثر قابلية للأتمتة. فقبل انتشاره، كان العاملون في المتاجر يعتمدون على قراءة الملصقات وإدخال الأسعار يدويًا، وهي عملية تستهلك الوقت وتزيد احتمالات الخطأ، خصوصًا في المتاجر التي تتعامل مع آلاف المنتجات يوميًا.

ومع ربط الباركود بقواعد البيانات، أصبح بالإمكان التعرف على المنتج عند مسحه، وتسجيل عملية البيع، وتحديث المخزون وفقًا لطريقة إعداد النظام. وساعد ذلك المتاجر على معرفة المنتجات الأكثر مبيعًا، وتحسين إعادة الطلب، وتقليل الفجوة بين ما تظهره السجلات وما يوجد فعليًا على الرفوف. كما امتد الاستخدام إلى المستودعات ومراكز التوزيع، حيث يمكن تسجيل دخول البضائع وخروجها ومتابعة انتقالها بين مراحل سلسلة الإمداد.

وتكمن أهمية هذا التحول في أن الباركود لم يكن بحاجة إلى تغيير طبيعة المنتج نفسه؛ فعبوة الطعام أو زجاجة المشروبات أو قطعة الملابس بقيت كما هي، لكن إضافة رمز موحد جعلت التعامل مع بياناتها أكثر كفاءة..

من المتاجر إلى قطاعات أخرى

توسع استخدام الباركود في قطاعات تحتاج إلى تعريف دقيق بالأصناف وتتبع حركتها، مع اختلاف المعايير والتطبيقات بحسب طبيعة كل قطاع. ومن أبرز استخداماته:

  • التجارة والتجزئة: تسجيل المبيعات، وإدارة المخزون، وتسريع عمليات الدفع؛
  • المستودعات والخدمات اللوجستية: تسجيل الشحنات والطرود، وتقليل أخطاء الالتقاط والتسليم؛
  • الصحة والأدوية: التعرف على المنتجات الطبية وتتبع بعض بيانات التشغيل والتشغيلة والصلاحية باستخدام الرموز المناسبة؛
  • التصنيع: ربط المواد الخام والمنتجات بمعلومات الإنتاج والجرد؛
  • التجارة الإلكترونية: المساعدة في مطابقة الأصناف عند تجهيز الطلبات وإدارة المرتجعات.

الباركود الجديد:  تقديم معلومات أوسع

يتجه القطاع الآن إلى توسيع قدرات الرمز ليحمل معلومات أكثر من مجرد رقم يعرّف المنتج داخل النظام. وتبرز هنا الرموز ثنائية الأبعاد، مثل QR Code  وGS1 DataMatrix، التي تستطيع تخزين بيانات أكثر من الباركود الخطي التقليدي، بحسب نوع الرمز وطريقة ترميزه.

وتستهدف مبادرة  Sunrise 2027 أن تكون أنظمة نقاط البيع قادرة على قراءة الرموز ثنائية الأبعاد المتوافقة مع معايير GS1 بحلول نهاية عام 2027. ولا يعني ذلك اختفاء الباركود التقليدي في ذلك التاريخ، بل يتيح انتقالًا تدريجيًا يمكن خلاله استخدام الرموز التقليدية والجديدة معًا.

وهنا تتغير وظيفة الرمز من أداة لتسريع البيع إلى وسيلة تربط المنتج بالمعلومات التي يحتاج إليها المصنع والموزع وتاجر التجزئة والمستهلك. وتوضح  GS1 أن الجيل الجديد من الرموز يهدف إلى دعم تتبع المنتجات وشفافية المعلومات وتحسين إدارة سلاسل الإمداد، وهي احتياجات ازدادت أهميتها مع توسع التجارة الرقمية وتزايد توقعات المستهلكين بشأن معرفة مصدر ما يشترونه ومكوناته.

الخلاصة

تكشف قصة الباركود أن الابتكارات المؤثرة ليست بالضرورة الأكثر تعقيدًا أو لفتًا للانتباه؛ فقد نشأ أثره من حل مشكلة تشغيلية محددة، ثم تضاعفت قيمته عندما اتفقت أطراف السوق على معيار مشترك. ومع انتشار الأجهزة والأنظمة التي تستطيع قراءته، أصبح جزءًا من البنية اليومية للتجارة الحديثة، من لحظة تسجيل المنتج إلى انتقاله بين المستودعات والمتاجر.

وتلخص قصة الباركود عدة دروس اقتصادية؛ توحيد المعايير يقلل الاحتكاك بين الشركات؛ وأتمتة العمليات المتكررة تساعد على رفع الكفاءة وتقليل الأخطاء؛ وربط المنتجات بالبيانات يحسّن إدارة المخزون وتتبع الشحنات؛ والتعاون بين المنافسين قد يخلق بنية مشتركة يستفيد منها السوق بأكمله.

السابق
كيف غيّرت الحوسبة السحابية طريقة عمل الشركات
التالي
محمد نجاتي..من بناء الشركات إلى الاستثمار

اترك تعليقاً