قصص تحولات

عودة نوكيا من جديد

ارتبط اسم نوكيا في أذهاننا دوماً بالهواتف المحمولة أكثر من أي شيء آخر، لكن الشركة التي كانت تبيع الهواتف لم تعد اليوم الشركة نفسها. ففي عام 2025 حققت نوكيا إيرادات بلغت نحو 19.9 مليار يورو، وأنفقت 4.9 مليار يورو على البحث والتطوير، وكان متوسط عدد موظفيها نحو 78 ألف موظف؛ وهي أرقام تعكس حجم شركة أعادت بناء نفسها بعيدًا عن سوق الهواتف الذي صنعت فيه شهرتها.

القصة المثيرة هنا ليست في سقوط نوكيا من عرش الهواتف، فقد أصبحت تلك الحكاية معروفة، وإنما في السؤال الذي جاء بعدها: ماذا تفعل شركة بحجم نوكيا عندما تخسر النشاط الذي ارتبط باسمها لعقود؟

عندما انتهت قصة الهواتف

كانت نوكيا تواجه تحولًا عميقًا في سوق الهواتف الذكية في بداية العقد الماضي، ومع اشتداد المنافسة وتغير طبيعة السوق، اتخذت الشركة في النهاية قرارًا بالتخلي عن قطاع الأجهزة والخدمات.

وفي عام 2014، أكملت Microsoft الاستحواذ على أعمال Devices & Services التابعة لنوكيا، في واحدة من أكثر اللحظات أهمية في تاريخ الشركة الحديث. ولم يكن ذلك مجرد بيع لنشاط تجاري، بل كان نقطة فاصلة أجبرت نوكيا على إعادة تعريف نفسها بالكامل.

بدلًا من محاولة العودة إلى سوق الهواتف الاستهلاكية ومنافسة الشركات التي أصبحت تهيمن على الهواتف الذكية، اتجهت نوكيا إلى مجال آخر أقل ظهورًا للمستهلك، لكنه أكثر ارتباطًا بالبنية التحتية للعالم الرقمي: الشبكات والاتصالات.

قرار إعادة بناء الشركة

كانت الخطوة الأساسية هي التركيز على التكنولوجيا التي تعمل خلف شاشة الهاتف، وليس الهاتف نفسه. وفي يناير 2016 بدأت نوكيا وAlcatel-Lucent  العمل كشركة واحدة بعد إتمام عملية الدمج، لتتحول نوكيا بصورة أكبر إلى شركة متخصصة في معدات الشبكات والتكنولوجيا اللاسلكية. وكانت الصفقة جزءًا من إعادة تشكيل الشركة بعد التخارج من نشاط الأجهزة والخدمات وبيع أنشطة أخرى.

هذه الخطوة غيّرت طبيعة المنافسة بالنسبة لنوكيا؛ فبدل أن تنافس على اختيار المستهلك بين هاتف وآخر، أصبحت تعمل في سوق مختلف، حيث العملاء الرئيسيون هم شركات الاتصالات والمؤسسات والحكومات ومشغلو البنية التحتية.

نوكيا من الهاتف إلى الشبكة

قد لا يرى المستخدم العادي شعار نوكيا على شاشة هاتفه كما كان يحدث في الماضي، لكنه قد يستخدم يوميًا شبكات تعتمد على تقنيات ومعدات تطورها الشركة.

ومع تطور شبكات الجيل الخامس، ثم الاستعداد للجيل السادس، أصبح التركيز على الاتصالات اللاسلكية، والشبكات الضوئية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية، والبنية التحتية الرقمية . أصبحت نوكيا تعمل في أكثر من  130 دولة، ويبلغ عدد موظفيها في المتوسط نحو 78 ألفًا، بينما بلغت استثماراتها في البحث والتطوير 4.855 مليار يورو.

 الذكاء الاصطناعي يفتح الباب من جديد

ربما تكون المفارقة الأبرز في قصة نوكيا الجديدة أن الشركة التي اشتهرت ذات يوم بالهواتف أصبحت تراهن على واحدة من أكثر تقنيات المستقبل تأثيرًا: الذكاء الاصطناعي.

في أكتوبر 2025 أعلنت نوكيا شراكة استراتيجية مع NVIDIA ، تضمنت استثمار NVIDIA نحو مليار دولار في أسهم نوكيا، بما منح NVIDIA حصة تبلغ نحو 2.9% من الشركة. وركز التعاون على تطوير شبكات 5G و6G تعمل مع بنية NVIDIA، إلى جانب استكشاف حلول للشبكات ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

الاستحواذ على Infinerah

عززت نوكيا حضورها في البنية التحتية للشبكات من خلال الاستحواذ على Infinera، المتخصصة في حلول الشبكات البصرية، وهي تقنية أساسية لنقل البيانات بسرعات عالية. وتشير نوكيا إلى أن الاستحواذ يتماشى مع توجهها لتوفير البنية التحتية التي تدعم ما تسميه الشركة «دورة الذكاء الاصطناعي»، مع زيادة الطلب على الشبكات من شركات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية.

نوكيا في 2026.. شركة مختلفة

في بداية 2026 أعادت نوكيا تنظيم أعمالها حول قطاعين رئيسيين: هما البينئة التحتية للشبكات والبنية التحتية المتنقلة، بهدف تبسيط هيكلها والتركيز على الفرص التي ترى فيها نموًا طويل الأجل، خصوصًا الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والشبكات المتنقلة والجيل السادس.

وفي الربع الثاني من 2026، حققت نوكيا مبيعات صافية قابلة للمقارنة بلغت 4.8 مليار يورو، مع هامش تشغيلي قابل للمقارنة بلغ 9%، بينما أشارت الشركة إلى أن الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية كان من العوامل الدافعة لأعمالها.

ما الذي نتعلمه من قصة عودة نوكيا؟

أولًا: عندما تغير السوق، قد يكون إعادة بناء الشركة فرصة جديدة أكثر واقعية من محاولة استعادة نموذج الأعمال القديم.

ثانيًا: احتفظت نوكيا بخبرتها في الاتصالات والبحث والتطوير والملكية الفكرية، ثم أعادت توظيف هذه الأصول في أسواق جديدة.

ثالثًا: التحول لا يحدث في خطوة واحدة. الخروج من الهواتف، ثم التركيز على الشبكات، ودمج Alcatel-Lucent، والاستثمار في البنية التحتية، والاستحواذ على Infinera، ثم الشراكة مع NVIDIA؛ كلها محطات ضمن مسار طويل.

مراجع المقال:

  • التقرير السنوي لنوكيا 2025   – موقع نوكيا
  • النتائج المالية لنوكيا لعام 2025  Nokia – Financial Report Q4 & Full Year 2025
  • خبر توقيع شراكة استراتيجية بين نوكيا وNVIDIA بقيمة 1 مليار دولار – موقع نوكيا

السابق
قصة جاك ما ومنصة علي بابا
التالي
ليجو تعيد ترتيب مكعبات نجاحها

اترك تعليقاً