أصبحت الهند لاعبًا مؤثرًا في صناعة البرمجيات والخدمات الرقمية، ووجهة متنامية للاستثمار في الشركات الناشئة والتصنيع الإلكتروني. وتكشف الأرقام حجم هذا التحول؛ إذ قدّرت جمعية صناعة تكنولوجيا المعلومات الهندية “ناسكوم” إيرادات قطاع التكنولوجيا الهندي بنحو 283 مليار دولار في السنة المالية 2024–2025، بما يشمل خدمات تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات والمنتجات والخدمات المرتبطة بها، وفق تقديراتها المنشورة في فبراير 2025
حدث هذا التحول عبر مسار طويل جمع بين الاستثمار في التعليم الهندسي، وإتقان اللغة الإنجليزية، والانفتاح على الأسواق العالمية، وبناء شركات قادرة على تقديم خدمات معقدة بتكلفة تنافسية. ومع مرور الوقت، بدأت هذه القاعدة تتحول من مصدر للدخل وفرص العمل إلى منصة لتطوير المنتجات والابتكار وجذب الاستثمارات التقنية.
من القيود الاقتصادية إلى تصدير البرمجيات
لفهم صعود الهند، لا بد من العودة إلى العقود التي سبقت انتشار الإنترنت التجاري؛ ففي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، واجهت الشركات الهندية قيودًا على استيراد المعدات والتقنيات، كما كانت ممارسة الأعمال في بيئة اقتصادية شديدة التنظيم أكثر تعقيدًا مما أصبحت عليه لاحقًا. ومع ذلك، بدأت شركات محلية في بناء خبراتها البرمجية، ومن أبرزها شركة Tata Consultancy Services (TCS) التي تأسست عام 1968، ثم ظهرت شركات مثل Infosys عام 1981، لتسهم في تشكيل نواة صناعة تقنية هندية ذات توجه دولي.
وشكّلت الإصلاحات الاقتصادية التي بدأت عام 1991 نقطة تحول مهمة، إذ ساعد الانفتاح الاقتصادي وتوسّع الاستثمار الخاص على تحسين البيئة التي تعمل فيها شركات التقنية. وفي الوقت نفسه، أسهم إنشاء مجمعات تكنولوجيا البرمجيات في توفير البنية التحتية والاتصالات اللازمة لتصدير الخدمات، ما أتاح للشركات الهندية تنفيذ مشروعات لعملاء في الخارج دون الحاجة إلى نقل جميع فرق العمل إلى بلدانهم.
كانت الميزة الأولى للهند واضحة: شركات في الولايات المتحدة وأوروبا تحتاج إلى تطوير أنظمتها وصيانتها، بينما تستطيع الشركات الهندية توفير مهندسين يتحدثون الإنجليزية ويملكون مؤهلات تقنية بتكلفة أقل نسبيًا. لكن العامل الحاسم لم يكن السعر وحده؛ فقد تطلب كسب ثقة العملاء الالتزام بالجودة والمواعيد، وتطوير أساليب إدارة المشروعات، وبناء فرق قادرة على التعامل مع أنظمة أعمال معقدة.
بنغالورو.. مركز عالمي للتكنولوجيا
تُعرف بنغالورو اليوم بأنها أحد أبرز مراكز التقنية في الهند، نتيجة وجود الشركات العالمية وحده. فقد تضافرت فيها المؤسسات التعليمية والكوادر الهندسية والشركات المحلية والبنية التحتية المخصصة للصناعة، ثم أسهم دخول شركات دولية في توسيع فرص العمل ونقل الخبرات وخلق طلب متزايد على المهارات المتخصصة.
ومع اتساع قطاع البرمجيات، لم تعد الهند تكتفي بكتابة الأكواد أو تنفيذ المهام التي تحددها الشركات الأجنبية؛ إذ توسعت الأعمال لتشمل تطوير المنتجات، واختبار البرمجيات، وهندسة الأنظمة، وتحليل البيانات، والاستشارات التقنية. وأصبحت مراكز البحث والتطوير التابعة للشركات متعددة الجنسيات جزءًا من هذا المشهد، بحيث تُنجز فرق موجودة في الهند أعمالًا تدخل في منتجات وخدمات تُستخدم عالميًا.
كيف تطورت صناعة التكنولوجيا الهندية
يمكن تلخيص التحول في أربعة مسارات مترابطة؛ خدمات تكنولوجيا المعلومات؛ وتعهيد العمليات التجارية وخدمات الأعمال؛ والبحث والتطوير وهندسة المنتجات؛ والشركات الناشئة والتقنيات الرقمية. لم يحل مسار محل الآخر، بل وفّرت الخبرة المتراكمة في الخدمات قاعدة بشرية وتجارية ساعدت على نمو الأنشطة الأعلى قيمة.
فشركات مثل TCS وInfosys و Wipro بنت حضورًا عالميًا في الخدمات والاستشارات التقنية، بينما وسّعت شركات دولية استثماراتها في مراكز الهند الهندسية والتطويرية. وفي الوقت نفسه، أسهم انتشار الهواتف الذكية والخدمات الرقمية في توسيع السوق المحلية، ومنح الشركات الناشئة فرصًا لتطوير حلول في المدفوعات والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والتصنيع
اتجهت الهند في السنوات الأخيرة، إلى توسيع دورها خارج الخدمات التقليدية، عبر جذب مراكز القدرات العالمية التابعة للشركات متعددة الجنسيات، ودعم الشركات الناشئة، ومحاولة تعزيز حضورها في التصنيع الإلكتروني والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتشير مراجعة “ناسكوم” السنوية لعام 2025 إلى أن قطاع التكنولوجيا الهندي حقق إيرادات تُقدّر بنحو 282.6 مليار دولار في السنة المالية 2024–2025، مع نمو ملحوظ في هندسة البحث والتطوير ومراكز القدرات العالمية. كما قدّرت المراجعة عدد هذه المراكز بأكثر من 1,750 مركزًا في عام 2024، وهو ما يعكس انتقال جزء من دور الهند من تقديم الخدمات الخارجية إلى المشاركة في أنشطة أكثر ارتباطًا بتطوير المنتجات والقدرات التقنية للشركات العالمية.
لكن هذا التحول لا يعني أن الهند أصبحت قوة متكاملة في كل مجالات التكنولوجيا؛ فمكانتها في خدمات البرمجيات والتعهيد أكثر رسوخًا من مكانتها في تصنيع أشباه الموصلات المتقدمة.
3 دروس من التجربة الهندية؟
- لا يشترط بناء صناعة تكنولوجية ناجحة ابتكار منتج جديد؛ يمكن الانطلاق من تقديم خدمات مطلوبة، ثم التدرج نحو أعمال أكثر تعقيدًا وقيمة.
- يتطلب نمو الدول استثمارًا في التعليم والبنية التحتية، وسياسات داعمة للتصدير، وشركات تبني سمعة موثوقة على المدى الطويل.
- استدامة النجاح تتطلب الاستثمار في الابتكار والانتقال إلى أنشطة أعلى قيمة، مع الاستعداد لتقلبات الأسواق والتغيرات التقنية، خصوصًا تأثير الذكاء الاصطناعي.
