قصص أزمات

أزمة أشباه الموصلات وهشاشة الاقتصاد

كشفت أزمة أشباه الموصلات العالمية / الرقائق الالكترونية مدى ترابط الاقتصاد الحديث واعتماده على مكونات صغيرة لا يمكن الاستغناء عنها. فمن مصانع السيارات إلى الهواتف الذكية والأجهزة الطبية، امتد تأثيرها إلى قطاعات متعددة، وأدى إلى تعطّل الإنتاج وتأخر تسليم المنتجات وارتفاع تكاليفها.

وعلى الرغم من أن الأزمة الأشهر بدأت في عام 2020، فإن أهمية هذا القطاع لم تتراجع؛ إذ بلغت المبيعات العالمية لأشباه الموصلات  791.7 مليار دولار في عام 2025، بزيادة  25.6% عن العام السابق، وفقًا لجمعية صناعة أشباه الموصلات الأميركية،.

ما هي أشباه الموصلات؟

أشباه الموصلات هي مواد تُستخدم في تصنيع الرقائق الإلكترونية التي تعالج البيانات أو تخزنها أو تتحكم في تدفق الكهرباء داخل الأجهزة. وتدخل هذه الرقائق في الهواتف الذكية والحواسيب والسيارات وأجهزة الاتصالات والمعدات الطبية، كما تمثل عنصرًا أساسيًا في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتكمن أهميتها الاقتصادية في أن الرقاقة الواحدة قد تكون جزءًا صغيرًا من المنتج النهائي، لكنها تؤدي وظيفة لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة. فالسيارة الحديثة، على سبيل المثال، تعتمد على رقائق لإدارة المحرك وأنظمة السلامة والتحكم الإلكتروني، ولذلك قد يتوقف إنتاجها بسبب نقص مكوّن منخفض التكلفة نسبيًا مقارنة بسعر السيارة كاملة.

كيف بدأت أزمة أشباه الموصلات العالمية؟

لم تنشأ الأزمة من سبب واحد، بل نتجت عن تداخل صدمات متزامنة مع مشكلات أعمق في مرونة سلاسل الإمداد. عندما بدأت جائحة كورونا في عام 2020، أوقفت شركات سيارات مصانعها أو خفّضت إنتاجها، متوقعة تراجع الطلب. وفي الوقت نفسه، ارتفع الإقبال على الحواسيب والأجهزة المنزلية وأدوات العمل والتعلم عن بُعد، فزادت حاجة شركات الإلكترونيات إلى الرقائق.

ومع تعافي الطلب على السيارات بوتيرة أسرع مما توقعه المصنعون، عادت شركات السيارات إلى طلب المكونات التي كانت قد قلّصت مشترياتها منها، لكنها وجدت نفسها تنافس قطاعات أخرى حجزت طاقات إنتاجية لدى المصانع. وأوضحت وزارة التجارة الأميركية في تحليلها لسلاسل الإمداد أن الطلب على أشباه الموصلات في عام 2021 كان أعلى بنحو 17%  من مستواه في عام 2019، في حين لم ترتفع الإمدادات بالقدر الكافي لمواكبة هذا التغير.

وزادت المشكلة تعقيدًا لأن إنتاج الرقائق لا يشبه زيادة تصنيع سلعة استهلاكية عادية؛ فالمصانع المتخصصة تحتاج إلى استثمارات رأسمالية ضخمة ومعدات شديدة التعقيد وخبرات فنية، كما أن إنشاء طاقة إنتاجية جديدة وتشغيلها يتطلبان وقتًا طويلًا. لذلك لم يكن من الممكن معالجة النقص بمجرد إصدار طلبات شراء إضافية.

 كيف انتقلت الأزمة إلى الاقتصاد؟

ظهر أثر النقص بوضوح في قطاع السيارات، الذي يعتمد على أنواع متعددة من الرقائق، بعضها مخصص للتحكم في المحرك والفرامل وأنظمة القيادة، وبعضها لإدارة الشاشات والاتصالات. وفي يناير 2021، أفادت رويترز بأن شركات مثل فورد وتويوتا ونيسان وهوندا اضطرت إلى تقليص الإنتاج أو تعديل خططها بسبب نقص الإمدادات، بعدما انتعش الطلب على السيارات أسرع من المتوقع.

ولم يقتصر الضرر على المصانع؛ فقد أدى انخفاض المعروض من السيارات الجديدة إلى تأخر التسليم وارتفاع الأسعار في بعض الأسواق، بينما واجه المستهلكون صعوبة في الحصول على أجهزة إلكترونية وألعاب ومنتجات تعتمد على الرقائق. وأشارت مجلة فوربس في تغطيتها للأزمة إلى أن نقص المكونات دفع شركات السيارات إلى تقليص الإنتاج، لكنه ساهم أيضًا في رفع أسعار المركبات المتاحة، ما أظهر كيف يمكن لاختناق في مرحلة واحدة من سلسلة التوريد أن يمتد أثره إلى السوق بأكمله.

لماذا يصعب إنتاج أشباه الموصلات في مكان واحد؟

تقوم صناعة الرقائق على شبكة دولية متخصصة؛ فالتصميم، وتصنيع الرقائق على رقائق السيليكون، والتغليف والاختبار قد تتم في بلدان وشركات مختلفة. ويتطلب تصنيع الرقائق المتقدمة معدات دقيقة للغاية وخبرات متخصصة واستثمارات كبيرة، وهو ما يجعل نقل الإنتاج أو إنشاء مصانع بديلة عملية طويلة ومكلفة.

وقد أظهر ذلك أن تنوع الموردين لا يكفي دائمًا إذا كانت الشركات تعتمد في المكونات الحيوية على عدد محدود من المصانع أو المناطق. كما أن أشباه الموصلات ليست منتجًا موحدًا؛ فالشريحة المستخدمة في نظام فرامل سيارة ليست بالضرورة بديلًا مناسبًا للشريحة التي تشغّل معالجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي. ولذلك قد يتراجع النقص في نوع من الرقائق بينما تستمر الاختناقات في أنواع أخرى.

ومع تصاعد التوترات التجارية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين، أصبحت الرقائق أيضًا قضية تتعلق بالأمن القومي والتنافس الصناعي، لا بالتجارة وحدها. وبدأت الحكومات في تقديم حوافز لتوسيع التصنيع المحلي أو الإقليمي وتقليل الاعتماد على مصادر محدودة. لكن بناء مصانع جديدة لا يعني الاستغناء سريعًا عن سلاسل التوريد العالمية؛ فهذه الصناعة تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل المعدات والمواد والمهارات والموردين والعملاء.

هل انتهت أزمة أشباه الموصلات؟

لا يمكن وصف ما حدث بأنه نقص واحد انتهى في تاريخ محدد، لأن الأزمة تفاوتت بحسب نوع الرقائق والقطاع والفترة. فقد تحسنت الإمدادات في بعض الاستخدامات بعد ذروة الاضطراب المرتبط بالجائحة، بينما ظلت قدرة الصناعة على تلبية الطلب مرتبطة بدورات الاستثمار والتغيرات التقنية والظروف الجيوسياسية.

وتكشف الأرقام الأحدث عن جانب آخر من القصة: الطلب على أشباه الموصلات لا يزال يتوسع. فقد سجلت المبيعات العالمية 791.7  مليار دولار في عام 2025، وفق جمعية صناعة أشباه الموصلات، التي توقعت في فبراير 2026 أن تقترب المبيعات من تريليون دولار خلال عام2026  

كما أن التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والسيارات الكهربائية يزيد أهمية التخطيط للطاقة الإنتاجية، مع ضرورة التمييز بين نقص رقائق معينة وبين نمو السوق ككل.

الدرس الاقتصادي من أزمة الرقائق العالمية

أثبتت الأزمة أن كفاءة سلاسل الإمداد لا تُقاس فقط بخفض المخزون والتكلفة، بل بقدرتها على مواصلة العمل عندما تقع صدمة غير متوقعة. فالمخزون المحدود قد يحسن التدفقات النقدية في الظروف الطبيعية، لكنه يصبح نقطة ضعف حين تتوقف الإمدادات عن الوصول، خصوصًا إذا كان المكوّن أساسيًا ولا يتوفر له بديل سريع.

وبالنسبة إلى الشركات، يتمثل الدرس في أهمية معرفة مصادر المكونات الحرجة، وتقييم مخاطر الموردين، وتطوير بدائل واقعية، وتحسين تبادل المعلومات مع الشركاء.

السابق
أيكيا.. كيف غيّرت صناعة الأثاث
التالي
كيف غيّرت الحوسبة السحابية طريقة عمل الشركات

اترك تعليقاً