لا تنتهي رحلة رائد الأعمال بالضرورة عند نجاح شركته الأولى في عالم الشركات الناشئة، فقد تكون التجربة التي بناها، والخبرة التي اكتسبها، وحتى خروجه من المشروع الذي أسسه، بدايةً لمرحلة أكثر طموحًا. هذه إحدى الزوايا التي تبرز في مسيرة رائد الأعمال السعودي الشاب إبراهيم الجاسم، الذي ارتبط اسمه بتأسيس “هنقرستيشن”، ثم انتقل إلى تجربة جديدة عبر «نينجا»، منصة التجارة السريعة التي تسعى إلى تغيير طريقة تسوق المستهلكين وشراء احتياجاتهم اليومية.
وتكشف الأرقام عن حجم الرهان في تجربته الجديدة؛ ففي يوليو 2025، جمعت نينجا تمويلًا بقيمة 254 مليون دولار، وفقًا لما أوردته Forbes Middle East، ووصل تقييم الشركة إلى نحو 1.5 مليار دولار، لتدخل بذلك نادي الشركات الناشئة المليارية المعروفة باسم “يونيكورن”.
بداية هنقرستيشن
تعود بداية شركة هنقرستيشن إلى عام 2012، عندما انطلقت بوصفها منصة سعودية لتوصيل الطعام عبر الإنترنت. كان نموذج الطلب الرقمي لا يزال في مرحلة التوسع في السوق المحلية، وكانت تجربة الحصول على الطعام تعتمد بدرجة كبيرة على الاتصال المباشر بالمطاعم أو التعامل مع خدمات التوصيل التقليدية. وقد مثّل جمع المطاعم في منصة واحدة وتسهيل الطلب عبر الإنترنت فرصة لبناء تجربة أكثر تنظيمًا للمستهلك والمطعم معًا.
شارك إبراهيم الجاسم في تأسيس الشركة وقيادتها خلال مراحلها الأولى، حين كان التحدي يتجاوز تطوير التطبيق إلى بناء سوق متكاملة تضم المطاعم والعملاء ومندوبي التوصيل، مع المحافظة على جودة الخدمة وسرعة التسليم. شبكتها توسعت لتشمل أكثر من 102 مدينة في السعودية، إلى جانب شراكات مع أكثر من 65 ألف مطعم ومتجر ومقدم خدمة وفق البيانات المنشورة على موقعها.
الخروج من الشركة الأولى
لا تسير العلاقة بين المؤسس وشركته دائمًا على خط مستقيم؛ فمع نمو الشركات الناشئة ودخول المستثمرين وتغير هياكل الإدارة، قد تتغير الأدوار التي يؤديها المؤسسون، وقد تنتهي علاقتهم الإدارية بالمشروع الذي بدأوه. وقد تناول إبراهيم الجاسم تجربته مع هنقرستيشن في حلقة من بودكاست “فنجان” عام 2020 بعنوان “لماذا فُصل إبراهيم الجاسم من هنقرستيشن؟”، متحدثًا عن تجربته والتحديات التي واجهها خلال بناء الشركة وخروجه منها.
وتكتسب هذه المرحلة أهمية في قصته لأنها تذكر بأن نجاح الشركة لا يعني بالضرورة استمرار المؤسس في قيادتها، كما أن الخروج من مشروع ناجح لا يمحو الخبرة التي اكتسبها صاحبه في بناء المنتج والسوق والفريق. ومع ذلك، من المهم عدم اختزال التجربة في رواية واحدة أو افتراض أن الخروج كان قرارًا اختياريًا بالكامل؛ فالتفاصيل المتعلقة بالعلاقة بين المؤسس والمستثمرين والإدارة ينبغي أن تُعرض وفق ما وثقه الجاسم بنفسه، مع التمييز بين شهادته الشخصية والحقائق المنشورة عن الشركة.
نينجا.. من توصيل الطعام إلى التجارة السريعة
في عام 2022، بدأت مرحلة جديدة من مسيرة الجاسم مع تأسيس نينجا في الرياض، بالشراكة مع رائدَي الأعمال سعود القحطاني وكانبرك دونمز، وفقًا لقائمة الشركات الناشئة في Forbes Middle East. وعلى خلاف نموذج توصيل الوجبات الجاهزة الذي ارتبط به اسم هنقرستيشن، دخلت نينجا مجال التجارة السريعة، مع التركيز على توصيل البقالة والمواد الغذائية والاحتياجات المنزلية إلى المستهلكين خلال وقت قصير.
يعتمد هذا النموذج على بنية تشغيلية مختلفة عن تطبيقات توصيل الطعام التقليدية؛ فبدلًا من الاكتفاء بربط العميل بمتجر مستقل، تستخدم شركات التجارة السريعة في العادة مستودعات صغيرة مخصصة للتجهيز السريع، تُعرف باسم Dark Stores، وتوزعها بالقرب من المناطق السكنية. ويساعد هذا التصميم على تقليل وقت تجهيز الطلبات، لكنه يتطلب إدارة دقيقة للمخزون والمساحات التشغيلية وسلاسل الإمداد، فضلًا عن تكاليف العمالة والتوصيل.
وهنا تظهر أهمية خبرة المؤسس السابقة؛ فإدارة منصة توصيل واسعة النطاق تمنح رائد الأعمال معرفة عملية بسلوك العملاء، وكفاءة العمليات، والتحديات المرتبطة بالتوسع. لكن نقل الخبرة من مشروع إلى آخر لا يعني تكرار النموذج نفسه؛ فالتجارة السريعة تحتاج إلى تحقيق توازن مختلف بين تنوع المنتجات، وتوافر المخزون، وسرعة التسليم، وهامش الربح لكل طلب.
تمويل ضخم وطموح للتوسع
جاء التمويل الذي حصلت عليه نينجا في يوليو 2025 ليعكس ثقة المستثمرين في إمكانات الشركة. ووفقًا لـForbes Middle East، بلغت قيمة الجولة 254 مليون دولار، ووصل تقييم الشركة إلى 1.5 مليار دولار. وتوفر هذه الموارد قدرة أكبر على الاستثمار في التقنية والبنية اللوجستية وتوسيع نطاق الخدمة، لكنها ترفع أيضًا سقف التوقعات بشأن النمو وكفاءة استخدام رأس المال.
وتعكس تحركات نينجا اللاحقة اتساع طموحها في السوق؛ ففي يونيو 2026، أفادت Financial Times بأن الشركة تدرس تقديم عرض للاستحواذ على هنقرستيشن، ضمن تحركات محتملة للاستحواذ على بعض أصول شركة Delivery Hero في الشرق الأوسط. وأشارت الصحيفة إلى أن المناقشات كانت في مرحلة مبكرة، وأن إتمام صفقة لم يكن مضمونًا.
وتكتسب هذه التطورات دلالة خاصة في قصة الجاسم، لأنها تضع شركته الجديدة في موقع قد يسمح لها بمنافسة أو الاستحواذ على أصول في القطاع الذي بدأت فيه تجربته الريادية الأولى.
تجربة إبراهيم الجاسم عن ريادة الأعمال
تقدم مسيرة الجاسم مثالًا على انتقال رائد الأعمال من بناء منصة رقمية في سوق ناشئة إلى محاولة تطوير شركة تعمل في قطاع أكثر تعقيدًا من الناحية التشغيلية. ففي هنقرستيشن، تمحور التحدي حول تنظيم الطلب على الطعام وربط العملاء بالمطاعم، بينما تتطلب نينجا إدارة مخزون وتوريد وتخزين وتوصيل سريع لمنتجات متعددة، مع الحفاظ على أسعار تنافسية وتجربة موثوقة للمستهلك.
وفي حديث نُشر عن مشاركته في “حوار الرواد” الذي نظمته غرفة الشرقية في أكتوبر 2026، أكد الجاسم أهمية التعلم من العثرات وتجاوز عقبات البدايات في بناء الشركات المستدامة. ويبرز هذا المعنى في تجربته، التي لم تتوقف عند مشروع واحد، بل انتقلت إلى محاولة جديدة في قطاع التجارة السريعة.
لكن الحكم على نجاح نينجا لا ينبغي أن يستند إلى قيمة التمويل أو التقييم السوقي وحدهما؛ إذ تتوقف استدامة أي شركة تجارة سريعة على قدرتها على الاحتفاظ بالعملاء، وإدارة تكاليف التوصيل والمخزون، وتحقيق هوامش ربح مناسبة، وتحويل النمو إلى نتائج مالية قابلة للاستمرار. وهذه هي المسافة التي تفصل بين شركة تحظى باهتمام المستثمرين وشركة تثبت قدرتها على بناء نموذج أعمال طويل الأجل.
الخلاصة
تظل قصة إبراهيم الجاسم جديرة بالمتابعة لأنها تجمع بين تأسيس شركة مؤثرة في سوق توصيل الطعام، والخروج من إدارتها، ثم الدخول مجددًا إلى قطاع قريب بنموذج مختلف وطموح أكبر. وهي تذكير بأن ريادة الأعمال ليست مجرد فكرة ناجحة، بل سلسلة من القرارات والتحولات التي تتطلب من المؤسس إعادة توظيف خبرته في أسواق تتغير باستمرار.
مراجع المقال:
- قائمة الشركات الناشئة المليارية في المنطقة، إصدار فبراير 2026. – Forbes Middle East
- توجهات نينجا المحتملة للاستحواذ على أصول تابعة لـDelivery Hero في الشرق الأوسط، يونيو 2026.
- هنقرستيشن – الموقع الرسمي عن هنقرستيشن وتاريخ تأسيسها
- فيديو: لماذا فُصل إبراهيم الجاسم من هنقرستيشن؟ – بودكاست فنجان

التنبيهات : محمد نجاتي..من بناء الشركات إلى الاستثمار - قصص اقتصادية