قصص ابتكارات

ما هي الألياف الضوئية

الألياف الضوئية هي خيوط رفيعة وطويلة من الزجاج النقي أو البلاستيك، تستخدم لنقل البيانات على شكل إشارات ضوئية بسرعات فائقة لمسافات طويلة. لم يكن الإنترنت ليصل إلى السرعة والانتشار اللذين نعرفهما اليوم من دون ابتكارات غيّرت البنية التحتية للاتصالات من جذورها، وفي مقدمتها الألياف الضوئية

تحول هذا الاختراع من تجربة علمية طموحة إلى أحد أهم مكونات الاقتصاد الرقمي. هي قصة ابتكار بدأت بفكرة بدت في وقتها شديدة الطموح، ساهمت في بناء البنية التحتية التي تحمل اليوم كميات هائلة من البيانات، وتدعم التجارة الإلكترونية والخدمات السحابية والعمل عن بُعد ومراكز البيانات والاقتصاد الرقمي.

البداية

اعتمدت شبكات الاتصالات لسنوات طويلة على الأسلاك النحاسية لنقل الإشارات، وكانت هذه التقنية فعالة في عصر المكالمات الهاتفية ونقل كميات محدودة من البيانات، لكنها أصبحت تواجه قيودًا واضحة مع ارتفاع الحاجة إلى سرعات أكبر ومسافات أطول.

في المقابل، كان الضوء يحمل وعدًا مختلفًا. فالليزر يستطيع نقل كميات كبيرة من المعلومات، لكن إرسال الضوء عبر الهواء لمسافات طويلة كان يواجه عوائق مرتبطة بالطقس والبيئة، الأمر الذي دفع الباحثين إلى التفكير في وسيط يستطيع احتواء الضوء وتوجيهه بدلًا من تركه ينتشر في الهواء.

الفكرة التي غيّرت المسار

بدأ المهندس والباحث تشارلز كاو في منتصف الستينيات، العمل على سؤال جوهري: هل المشكلة في الألياف الزجاجية نفسها أم في الشوائب الموجودة داخلها؟ نشر بالتعاون مع جورج هوكهام في عام 1966، دراسة اقترحت أن الألياف الزجاجية يمكن أن تصبح وسيطًا عمليًا للاتصالات بعيدة المدى إذا أمكن خفض فقدان الإشارة بدرجة كبيرة. وأشار عملهما إلى إمكانية استخدام الألياف لنقل كميات ضخمة من المعلومات، بشرط تحسين نقاء الزجاج.

كانت تلك لحظة مهمة؛ لأن كاو لم يخترع الألياف الضوئية من الصفر، بل ساهم في تحويلها من فكرة تقنية محدودة إلى مشروع قابل للتطبيق في الاتصالات. وفي عام 2009، حصل كاو على نصف جائزة نوبل في الفيزياء تقديرًا لإنجازاته المتعلقة بنقل الضوء في الألياف الضوئية للاتصالات.

1970 الزجاج يصبح طريقًا للمعلومات

كان إثبات الفكرة نظريًا خطوة، وتحويلها إلى منتج عملي خطوة أخرى أكثر صعوبة. إلى ان تمكن فريق من الباحثين في شركة  Corning  من تطوير ألياف زجاجية منخفضة الفقد في عام 1970، وصلت في ذلك الوقت إلى فقدان قدره نحو 17  ديسيبل لكل كيلومتر، وهو إنجاز تجاوز الحد الذي كان كاو قد اعتبره ضروريًا لجعل الاتصالات بعيدة المدى ممكنة.

وبعد سنوات قليلة، استمر التحسن في أداء الألياف وانخفض الفقد بصورة كبيرة.  وهنا بدأت الفكرة تتحول من إنجاز مختبري إلى صناعة يمكن أن تبني عليها شركات الاتصالات شبكات جديدة.

من الهاتف إلى الإنترنت

بدأت التجارب التجارية على استخدام الألياف الضوئية في شبكات الاتصالات في سبعينيات القرن الماضي، ثم توسعت التطبيقات تدريجيًا خلال الثمانينيات.

وتشير سجلات  NASAإلى أن عام 1988 شهد تشغيل TAT–8، أول كابل هاتف عابر للأطلسي يعتمد على الألياف الضوئية، وهو تطور كان له أهمية كبيرة في نقل الاتصالات الدولية عبر مسافات هائلة.

لم تعد الألياف مجرد وسيلة لنقل المكالمات؛ فقد أصبحت مع مرور الوقت جزءًا أساسيًا من شبكات الإنترنت والبنية التحتية الدولية، بما في ذلك الكابلات البحرية التي تربط القارات ومراكز البيانات والشبكات الوطنية.

لماذا أصبحت الألياف الضوئية مهمة للاقتصاد؟

تكمن قيمة الألياف الضوئية في أنها لم تغير قطاع الاتصالات وحده، بل ساعدت في خفض القيود التي كانت تحد من تدفق البيانات، الأمر الذي فتح المجال أمام نماذج أعمال وخدمات رقمية لم تكن ممكنة بالسهولة نفسها في عصر الشبكات التقليدية.

فكلما أصبحت الاتصالات أسرع وأكثر استقرارًا، أصبح من الأسهل على الشركات تشغيل الخدمات السحابية، وإدارة منصات التجارة الإلكترونية، وعقد الاجتماعات عن بُعد، ونقل الملفات الضخمة، وتشغيل مراكز البيانات، وتقديم الخدمات الرقمية للعملاء في مواقع مختلفة.

الألياف الضوئية في عصر 5G  والذكاء الاصطناعي

قد يبدو أن انتشار شبكات الهاتف المحمول 5G يقلل من أهمية الألياف، لكن الواقع مختلف؛ فالشبكات اللاسلكية نفسها تحتاج إلى بنية تحتية سلكية قوية في الخلفية لنقل البيانات بين الأبراج ومراكز الشبكات ومراكز البيانات.

ومع توسع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء، تصبح قدرة الشبكات على نقل البيانات بسرعة وكفاءة أكثر أهمية، وهو ما يفسر استمرار الاستثمار في الألياف حتى مع ظهور تقنيات اتصال جديدة.

ابتكار لم يغيّر طريقة الاتصال فقط

قصة الألياف الضوئية تكشف جانبًا مهمًا من قصص الابتكار: أحيانًا لا يكون أثر الابتكار ظاهرًا في المنتج الذي يستخدمه المستهلك مباشرة، وإنما في البنية التحتية التي تجعل عشرات المنتجات والخدمات ممكنة.

فالمستخدم الذي يشاهد بثًا مباشرًا، أو يشتري منتجًا عبر الإنترنت، أو يعقد اجتماعًا عبر الفيديو، أو يستخدم تطبيقًا قائمًا على الحوسبة السحابية، قد لا يفكر في المسار الذي تسلكه بياناته، لكن خلف هذه التجارب شبكة عالمية من الألياف والكابلات ومراكز البيانات.

من خيط زجاجي بالغ الدقة إلى شبكة تحمل حركة البيانات بين المدن والقارات، أصبحت الألياف الضوئية أحد الابتكارات التي ساعدت على بناء العالم الرقمي الحديث؛ ولذلك فإن قصتها لا تتعلق فقط بكيفية انتقال الضوء، وإنما بكيفية تحول اكتشاف علمي إلى بنية تحتية أصبحت جزءًا من الاقتصاد العالمي.\

مراجع المقال

  • بيانات الألياف الضوئية والنطاق العريض حتى 2024 – منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية
  • بيانات تطور اشتراكات النطاق العريض عالميًا – الاتحاد الدولي للاتصالات ITU
  • مقال أثر البنية التحتية الرقمية والألياف والكابلات البحرية على الاقتصاد. – موقع البنك الدولي

السابق
عندما غيّرت نتفلكس طريقة المشاهدة؟
التالي
بداية التحول الاقتصادي في السعودية

اترك تعليقاً