قصص تكنولوجيا

عندما غيّرت نتفلكس طريقة المشاهدة؟

كان المشاهد في الماضي يعرف جيدًا متى يشاهد برنامجه المفضل: ينتظر موعد الحلقة، يجلس أمام التلفاز، ثم يعود في الأسبوع التالي لاستكمال القصة. أما اليوم، فقد أصبح السؤال مختلفًا تمامًا: ماذا تريد أن تشاهد، ومتى تريد أن تشاهده، وكم حلقة تريد أن تشاهد في جلسة واحدة؟ في قلب هذا التحول تقف نتفلكس، التي تجاوز عدد مشتركيها المدفوعين 325 مليون مشترك عالميًا بنهاية 2025، وفق بيانات رويترز.

كانت نتفلكس واحدة من الشركات التي حولت هذه الفكرة إلى نموذج استهلاكي عالمي؛ نموذج لا يبيع المشاهد برنامجًا بعينه فقط، بل يمنحه حرية اختيار المحتوى والوقت والجهاز وطريقة المشاهدة، ثم يستخدم البيانات والتوصيات لمساعدته على اختيار ما سيشاهده بعد ذلك.

البداية لم تكن أمام شاشة التلفاز

بدأت قصة نتفلكس في عام 1997 كشركة متخصصة في تأجير أقراص الأفلام عبر البريد، في وقت كانت فيه متاجر تأجير الفيديو جزءًا مألوفًا من حياة المستهلكين. وكان النموذج مختلفًا عن الذهاب إلى المتجر واستئجار فيلم ثم إعادته؛ إذ أتاحت الشركة للمشتركين طلب الأفلام عبر الإنترنت واستلامها في المنزل.

لكن نتفلكس لم تتوقف عند هذا النموذج، لأن القائمين عليها أدركوا مبكرًا أن الإنترنت يمكن أن يغير طريقة توزيع المحتوى بالكامل. لذلك بدأت الشركة تقديم خدمة البث المباشر عبر الإنترنت وفي عام 2007، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تاريخها. لم يعد الفيلم يحتاج إلى قرص يُرسل بالبريد، وأصبح الوصول إلى المحتوى مرتبطًا باتصال الإنترنت بدلًا من وجود نسخة مادية في المنزل.

المشاهدة عند الطلب

أصبح المشاهد هو من يحدد الوقت، ويختار المحتوى، ويوقف الحلقة ويستأنفها لاحقًا، وينتقل بين الأجهزة. ومع تطور الهواتف الذكية وأجهزة التلفزيون المتصلة بالإنترنت، لم تعد المشاهدة مرتبطة بغرفة المعيشة وحدها.

وتوضح رويترز كيف ساهمت نتفلكس وخدمات البث الأخرى في كسر جدول العرض التقليدي، مشيرة إلى أن غالبية مستخدمي خدمات بث التلفزيون في الولايات المتحدة كانوا يشاهدون في 2019 متوسطًا يبلغ أربع ساعات من المحتوى في جلسة واحدة، وفق بيانات Deloitte.

وجاءت اللحظة الأوضح في عام 2013 عندما أطلقت نتفلكس مسلسل House of Cards، وطرحت الحلقات الثلاث عشرة للموسم الأول دفعة واحدة بدل توزيعها أسبوعيًا. وتوضح وثائق الشركة في ذلك الوقت أن القرار كان جزءًا من توجه يمنح المشاهد قدرًا أكبر من التحكم في متى وكيف يشاهد المحتوى.

نتفلكس تنتج محتوى أصلي

اتخذت نتفلكس قرارًا أكثر جرأة: الاستثمار في إنتاج محتواها الأصلي. وشكل مسلسل House of Cards إحدى العلامات الفارقة في هذه الرحلة، ثم توسعت الشركة في إنتاج الأعمال الأصلية، وأصبح المحتوى الحصري وسيلة لجذب المشتركين والاحتفاظ بهم.

وهذا القرار غيّر المعادلة الاقتصادية لصناعة التلفزيون؛ فالشركات التي كانت تملك شبكات البث والاستوديوهات لم تعد الوحيدة القادرة على إنتاج أعمال جماهيرية، بينما أصبحت المنصات الرقمية نفسها منافسًا في التمويل والإنتاج والتوزيع.

الخوارزمية أصبحت جزءًا من تجربة المشاهدة

أصبحت المنصة تحاول توقع ما قد يرغب المستخدم في مشاهدته ولم تعد تكتفي بعرض المحتوى فقط، وجعلت التوصيات الشخصية الشاشة الرئيسية مختلفة من شخص إلى آخر، وأصبح سجل المشاهدة عاملًا في تحديد ما يظهر للمستخدم من أفلام ومسلسلات.

وهذا يعني أن المنافسة لم تعد تدور فقط حول امتلاك مكتبة محتوى ضخمة، بل حول القدرة على مساعدة المستخدم في اكتشاف المحتوى المناسب بسرعة.

المشاهدة لم تعد مرتبطة بالتلفزيون نفسه

أحد أهم آثار نموذج نتفلكس أن التلفزيون تحول من جهاز استقبال إلى واجهة للوصول إلى خدمات الإنترنت. اليوم يمكن للمشاهد أن يبدأ فيلمًا على التلفزيون، ثم يكمله على الهاتف أو الحاسوب، بينما أصبحت أجهزة التلفزيون الذكية نفسها بوابات لتطبيقات البث.

وتشير بيانات معهد رويترز لدراسة الصحافة في 2026 إلى أن خدمات البث والمنصات المتصلة بالإنترنت غيرت الطريقة التي يتفاعل بها الجمهور مع التلفزيون، مع استمرار انتقال جزء من المشاهدة من البث التقليدي إلى تطبيقات الفيديو على أجهزة التلفزيون الذكية، خصوصًا لدى الأجيال الأصغر.

من تغيير سلوك المشاهد إلى تغيير اقتصاد الصناعة

الآن أصبحت شركات الإنتاج تفكر في المنصات الرقمية منذ المراحل الأولى للمشروع، وأصبحت المنافسة على المشتركين مرتبطة بالمحتوى الحصري والتجربة الشخصية وسهولة الاستخدام، بينما اضطرت شبكات التلفزيون التقليدية إلى تطوير خدمات بث خاصة بها.

أما نتفلكس نفسها فقد تحولت إلى شركة ترفيه عالمية ضخمة؛ فقد سجلت إيرادات بلغت نحو  45.2 مليار دولار في 2025، بزيادة 16% عن العام السابق، وفق بياناتها المالية التي أودعتها لدى الجهات التنظيمية الأمريكية.

.

ماذا غيّرت نتفلكس فعليًا؟

ساهمت نتفلكس في نقل صناعة الترفيه من نموذج “ما الذي يعرض الآن؟”  إلى نموذج “ماذا تريد أن تشاهد؟”، ومن جدول برامجي تضعه الشبكة إلى مكتبة رقمية يختار منها المستخدم، ومن حلقة أسبوعية إلى مواسم يمكن استهلاكها وفق إيقاع المشاهد نفسه.

ولهذا فإن قصة نتفلكس أعادت تشكيل العلاقة بين الجمهور والمحتوى، ودفع صناعة التلفزيون إلى إعادة التفكير في طريقة الإنتاج والتوزيع والقياس والمنافسة.

السابق
فقاعة الإنترنت.. قصة الصعود والانهيار
التالي
ما هي الألياف الضوئية

اترك تعليقاً